|
إقبال على شراء القرآن في هولندا، وردود أفعال حضارية من خلال "المفتنون" و"آيات الحب"
عبدالله بوقس ـ الجزيرة توك ـ كوالالمبور ـ ماليزيا
أثار اليميني الهولندي جيرت فيلدرز، حفيظة المسلمين في جميع أنحاء العالم بعد نشره مقطع فيلم أسماه "فتنة" مدته 17 دقيقة، لا يوحي إلى أي قيمة تذكر في الإخراج الفني، ولا يبدو للمشاهد سوى مجرد عمل عابر" أريد به باطلا " يظهر فيه فيلدرز آيات من مشكاة المسلمين ونبراسهم، تدعو إلى الإرهاب والقتل وعدم التسامح كما يزعم، داعيا إلى حظر القرآن الكريم مشبها إياه بكتاب "كفاحي" للقائد الألماني هتلر، ومضمنا في طيات فيلمه مشاهد لاعتداءات ارتكبها إسلاميون "متشددون" في الفترة المنصرمة، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، والجثث المتناثرة لضحايا تفجيرات قطارات مدريد، والصور المثيرة للرعب في الهجمات التي استهدفت كلا من لندن والصومال، ومنددا بأقوال بعض المسلمين، من علماء ووجهاء وأطفال في قتل اليهود والكفرة وتحريضهم للجهاد والانتحار، وعدّ ذلك كله مشاريع إرهابية، تنطلق من القرآن الكريم !!
وفي المشهد الختامي للفيلم يعرض فيلدرز صورة يد تقبض على صفحة من القرآن، على وقع صوت تمزيق أوراق تُسمع في خلفية المشهد.
ولعل تهادي ردود أفعال المسلمين في هذه الإساءة -مقارنة بالإساءات السابقة - يرجع إلى وقوف رئيس الوزراء الهولندي يان بيتر ضد عرض الفيلم، و قيامه بجولة في عدد من الدول الأوروبية لبحث تداعيات عرض فيلدرز لفيلمه، وقد حمّله رئيس الوزراء مسئولية المصالح الهولندية في الخارج وما يمكن أن تتعرض له بعثاتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية في الدول الإسلامية من تهديد، وما يمثله عرض الفيلم من إساءة لصورة هولندا والتي يبلغ عدد المسلمين فيها مليون شخص تقريبا من إجمالي 16 مليونا هم عدد سكان البلاد. كما سارع الاتحاد الأوروبي إلى إدانة هذا العمل، بينما لم ير الخبراء فيه سوى دعاية سياسية لحزب متطرف يهدف إلى أغراض شخصية له داخل البرلمان الهولندي.
من جهته يحاول فيلدرز من خلال هذا الفيلم تقديم وجهة نظره إزاء ما أسماه "تجاهل السياسة الغربية لخطر الإسلام وارتفاع أعداد المسلمين في أوروبا". وقد دافع أكثر من مرة عن قرار وقف عرض الفيلم، مؤكدا في الوقت نفسه أنه يعتزم التنقل في هولندا لينشر أفكاره، وقال في تصريح له للصحيفة الهولندية "دتش ويلي": "لست ضد المسلمين، وإنما ضد أيديولوجية الإسلام.. أعتقد أننا في الغرب نحتاج إلى أن نتحدث عن كيفية حماية حريتنا في وجه الهجرة المسلمة والإسلام الراديكالي". ويُعرف فيلدرزعداءه للإسلام والمهاجرين في هولندا، وينادي بدحض ما يسميه بـ " أسلمة هولندا" والدفاع عن حريات الغرب.

هذا فقد أوضحت الطبيبة الماليزية في علم النفس روسنه بنت إسماعيل في تشخيصها لحالة فيلدرز قائلة: "لقد تصرف على هواه من أجل إشباع مصالحه الشخصية دون مراعاة الحساسيات وآراء الطوائف الأخرى في العالم، ويمكن التعريف في علم النفس بأنه رجل ذو ميول إلى التلذذ بالعنف وإيذاء الآخرين" وأكدت في تقرير صدر عن وكالة الأنباء الماليزية أنه يحتاج إلى "علاج ذهني" لتوسيع تفكيره وتعميق فهمه للدين الإسلامي والعالم الإسلامي. وقد تعالت الأصوات في الأوساط المسلمة في ماليزيا حكومة وشعبا إزاء هذه الإساءة، حيث نظم الحزب الإسلامي مظاهرات ومسيرات تندد بهذه الإساءة، وطالب آخرون بتدمير مواقع الإنترنت التي تنشر مثل هذه الإساءات للإسلام.
ومن باب مايقال بأن "رُب ضارة نافعة" فإن تداعيات عرض هذا الفيلم أفرزت جوانب كثيرة من الإيجابيات التي لم يكن يتوقعها المتطرف فيلدرز، ومن ذلك نفاد المصاحف الإلكترونية في مكتبات هولندا بعد عرض الفيلم المسيء للقرآن الكريم، وذلك على حسب ما ذكرته الصحفية الهولندية "آني كرين بيرج" أنه على العكس مما كان يهدف إليه النائب الهولندي "جيرت فيلدرز" بعرض فيلمه المعادي للإسلام (فتنة) على شبكة الانترنت، شهدت هولندا إقبالا غير عادي على المكتبات التي تعرض كتبا إسلامية في إمستردام. ولم يكد يمر يوم على بث فتنة فيلدرز حتى عرضت الرابطة العربية الأوروبية بهولندا فيلما بعنوان "المفتنون" من سبع دقائق يعرض تطرف فيلدرز وعلاقاته بإسرائيل، معتبرة أن ما قامت به هو رد حضاري، لكن بقيت تحركات المسلمين في هولندا محل إعجاب الكثيرين نظرا للجوئهم إلى العقلانية للتعبير عن رفضهم للأمر.
وفي ظل تصاعد قضية فيلدرز، ينتعش في إندونيسيا سوق فيلم من إخراج "هاتينغ بارامانيتو"، مقتبس من رواية للكاتب حبيب
رحمان شيرازي "آيات آيات شينتا"، وتعني آيات الحب، والتي حققت أعلى إيرادات في إندنوسيا عام 2003، وقد عده بعض الإعلاميين المحليين أنسب وسيلة في الرد على فيلم "فتنة"، وتدور أحداث الفيلم الإندنوسي المسمى "آيات الحب" حول شاب إندونيسي متدين من أسرة فقيرة يدعى فاهري بن عبدالله الذي يقوم بدوره الممثل (فيدي نوريل)، والذي يتجه إلي مصر للدراسة في جامعة الأزهر بعد حصوله على منحة دراسية، ويواجه في مشوار دراسته صعوبات وابتلاءات، إلا أنه كان يتجاوزرها بثبات مبادئه وتدينه.
وحين يقرر الزواج تقع الحيرة بين عينيه في أربع فتيات كن يحطن به إعجابا بتدينه وسلوكه وأخلاقه، وهن نورول بنت جعفر عبدالرزاق (ميلاني بوتريا) طالبة في جامعة الأزهر، وعائشة (ريانتي كارتوريات) فتاة مسلمة ألمانية من أصل تركي، وماريا جرجس (كاريسا بوتري) فتاة مصرية مسيحية، ونورا بنت باهادور (زاسكيا أدياميكا) فتاة مصرية. ويستقر فاهري في الزواج من عائشة المحجبة ذات العينين السوداوتين، بعد أن لفتت انتباهه في موقف يعد أكثر مشاهد الفيلم تأثيرا، حين كان فاهري يستقل قطار مترو الأنفاق، ففوجئ برجل مصري ينهر عائشة لأنها قامت وأجلست محلها سائحة أمريكية مسنّة، ووصفها الرجل المسن بالكافرة، وصرخ في عائشة: "كيف تكرمين من يقتلون إخوتنا في العراق وأفغانستان؟" فيتدخل فاهري ذو الملامح الآسيوية ويقول للرجل: "هذا ليس من تعاليم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، فالدين المعاملة، ويجب أن نحسن معاملاتنا مع غير المسلمين، مادامنا سمحنا لهم بدخول بلداننا".

وفي تفاصيل الفيلم يواجه فاهري حكما بالإعدام بعد كيد نورا له، إذ دبرت بعد زواجه من عائشة مصيدة وقع في فخها متهما بالاغتصاب، إلا أن جارته ماريا التي كانت تعيش أزمة عاطفية بسببه، تملك دليل براءته، وعرفانا لها طلبت زوجته عائشة أن يتزوج من ماريا رغم أنها مسيحية، ورغم عدم رغبته في ذلك فقد نفذ فاهري رغبة زوجته، ليسعى أن يكون عادلاً ومنصفًا بين الزوجتين، في صورة تمثل الصورة الراقية لتعامل الإسلام مع المرأة. وفي مجمل ذلك فإن الفيلم يقدم انطباعا إيجابيا في معالجة صورة الإسلام الذي اقترن بالعنف والإرهاب منذ 11 سبتمبر، في الوقت الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية مأزقا حادا متمثلا في حالات ردود أفعال بعض المتشددين جراء سذاجة الغربيين وجهلهم وعدائهم للإسلام في تقديم أعمال تسيء للإسلام والمسلمين.
|