مفقودي الحرب الأهلية اللبنانية، الحاضرون الغائبون يحضرون مجدداً
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك - بيروت
ضاقت بصورهم جدران مبنى قصر الأونيسكو في بيروت، لكنها ليست صورهم كلهم، هي صور من تم ايجاد صورته فقط، من تمكن أهله من الوصول إلى لجنة أهالي المخطوفين في الحرب الأهلية اللبنانية التي انتهت ولم تنته ... هي صور من بقوا في ذاكرة من أحبوهم، لا هم أحياء ولا هم أموات، بل مفقودون لا يعرف عن مصيرهم شيئاً.
قصصهم قد تبدو قصصاً فردية، أم خالد، ام مصطفى، د.ن.، لكنها قصص تكررت بالمئات. هي ليست فقط قصص خالد ومصطفى أو جوزيف أو ايلي أو جاك أو رشيد أو ميشال أو سعاد أو ماري أو محمد، هي قصص عشرات الآلاف، قصص الغياب والعذاب، وقصص مضت عليها عقود وسنين وأيام بين ليل ونهار، عنوانها كان وبقي دائماً: أمل وانتظار.
وتلقي أغلية اهالي المخطوفين باللوم على السلطات السورية، وتعتقد أن أبناءها –ان كانوا أحياء- هم في السجون السورية. ولم تقم سوريا بتقديم لائحة بأسماء المسجونين في سجونها من اللبنانيين، وهم وان كانوا كثر ترفض سوريا التصريح عنهم، فان أغلبية كبرى من المفقودين يعتقد أنها قتلت ودفنت في "قبور" جماعية (تدعى بالعامية "بيارة" وهي جمع بئر وهو يدل على نوعها والطريقة التي كنت تتم بها عمليات الذبح والقتل العمياء) على يد الميليشيات اللبنانية المختلفة أو الفلسطينية أو الجيش السوري.
أم خالد
"بعرف أنه أولادي عايشين. في ناس كانوا يجوا ويقولوا لي أنهم شافوهم بسوريا بالسجن. عساكر كبار بقولوا لي هيك، بس بقولوا لي ما فينا نؤكد لك. أحيانا بعودوا بغيروا كلامهم حتى ما يعملولهم شي. بس انا متأملة انهم عايشين. صار لي اكتر من عشرين سنة ناطرتهم." هكذا تحكي أم خالد عن ولديها خالد وسالم. كانا في الـ17 و18 من عمرهما عندما خطفهما الجيش السوري في الحرب الأهلية على أحد الحواجز. "كنا بطرابلس وهربنا عالضنية بالحرب. باليوم اللي انخطفوا فيه كنا نحنا بطرابلس لان أختهم كانت مريضة، وكانوا نازلين يزوروها من الضنية وانخطفوا. حكيتلنا واحدة انها شافتهم."
أسأل أم خالد: "هل كان أولادك متحزبين؟ هل شاركوا في الحرب؟"
فتهز رأسها باستنكار، "ما كانوا داخلين بشي" ثم تضيف بحرقة "يا ريت كانوا متحزبين أو مسلحين ... يا ريت ... كنا عالأقل عرفنا ليش خاطفينهم، كانوا خطفوهن بسبب..." ويتدخل زوجها (والدهما): "بس متاكدين انهم بسوريا. اكتر من مرة يخبرونا عنهم. شافوا اسمهم بمركز المخابرات السورية بالشمال ]شمال لبنان[ بس السوريين ما بيحكوا عنهم أبداً. حاولنا بكتير طرق، نطلع عند مسؤولين، نحكي، نطلب من حدن يساعدنا، بس ..."
وأم مصطفى
لم تكن أم خالد أول من التقيتها على هامش التحضير لافتتاح هذا المعرض، الذي تنظمه الجمعية غير الربحية "أمم"، عن المخطوفين والمفقودين في الحرب الأهلية، والذي يحمل عنوان "ولم يعودوا". أول من القتيتها كانت أم مصطفى. التقيتها لحظة دخولي المعرض وبينما كنت أنظر إلى هذه الصور الكثيرة التي ملأت الجدران وأسأل نفسي، هل كلهم بريئون، هل كلهم لهم أهل، هل كلهم مفقودين، وأدرك مع كل ادراك لعدد الصور وعدد المفقودين، أدرك هول الحرب الأهلية وما تسببت به من جرائم وخسائر، فهؤلاء هم فقط من "لم يعودوا" وهناك من "لن يعودوا" وهناك من بقيوا محملين بالجروح والجروح.
كانت أم مصطفى تقف إلى جانب صورة، تمرر يدها عليها بحنان، وتبكي، تشهق ثم تسكت. لحظات قليلة كافية لتدرك أنها تنظر إلى ابنها. أسألها سؤالي البسيط لاستشف منه مدى استعدادها للكلام عنه، "هل هو ابنك؟" فتجيبني "نعم. حبيبي. كان عمره 17 عاماً عندما اختطفوه. كان طالباً..." وتشير بيدها إلى الصورة مجدداً وتبكي. أسألها عمّن أخذه، فتجيبني "السوريين". قصتها كمعظم القصص، مقتضبة لكنها في طياتها قصة الغياب والمصير المجهول، وسواد ليالي الانتظار والقلق. في أية لحظة قد يأتون وفي أية لحظة قد يموتون. ليالي الانتظار قد تطول إلى الأبد، وقد تموت قبل أن تنتهي.
"أمم" ... نعمل لإنهاء الحرب الأهلية
وبين الصور، كانت سلمى احدى المنظمات تسعى بين ناحية وأخرى للتأكد من أن كل شيء جاهز للحظة الافتتاح الرسمية. يقطع عملها بين الفترة والأخرى وصول بعض الأهالي فتسلم عليهم، وتدلهم على مكان صور ذويهم. سلمى بنشاطها بين الصور وببسمتها قصة الأمل والايمان والعمل في سبيل معرفة مصير كل هؤلاء. "من بين أسماء آلاف المفقودين عندنا، وجدنا صوراً لحوالي الـ500 فقط، لكننا نعمل على اكمال المجموعة. وعملنا لا يهدف فقط لايجاد مصير هؤلاء المفقودين، بل نسعى لهدف أكبر، يجب أن ننهي الحرب الأهلية، وانهاء الحرب الأهلية لا يكون كما فعلوا عندما أصدروا قرار العفو عن كل جرائم الحرب أو بتجاهل مصير المفقودين ومسامحة المجرمين، فعلى الأقل يجب أن تكون هناك مصارحة وطنية ومصالحة بين كافة الفرقاء، فما حصل في الحرب كان فظيعاً ورهيباً لدرجة زرعت في قلوب الناس خوفاً من الآخر، وحقداً أيضاً في قلوب البعض، وهذا إن لم يعالج سينفجر مجدداً في أية لحظة."
وتكمل: "ولهذه الغاية، تقوم "أمم" بعدد من الفعاليات. فأقامت العام الماضي سلسلة نشاطات عن مجازر البلقان وحرب البلقان، وتقيم حالياً إلى جانب المعرض معرض صور عن حرب الجزائر، وكذلك ندوات وأفلام وثائقية وأنشطة ثقافية متنوعة بالاضافة الى عدة اعمال توثيقية وبحثية عن الحرب الأهلية اللبنانية، وعن حروب وتجارب أخرى مثل تجربة جنوب أفريقيا والبلقان في سبيل توعية اللبنانيين لضرورة المصارحة لأجل المصالحة ولأجل انهاء الحرب فعلاً".
- وهل المفقودين جميعهم لبنانيون أم من جنسيات مختلفة؟
- فيهم فلسطينيون وأرمن ومصري واحد، لكنهم حتى اللبنانيون منهم من شتى المناطق ومن كافة الاديان.
- وهل هم جميعاً مفقودين في السجون السورية أو مخطوفين على يد السوريين؟
- ليس جميعهم لكن أغلبهم. هناك منهم في السجون الإسرائيلية مثلاً. لكن تعاون سوريا مطلوب وضروري على الأقل من ناحية قوائم الأسماء كي نعرف مصيرهم. هناك مسجونين في السجون السورية، ومتأكدين أنهم هناك، تنفي الدولة السورية وجودهم.
- هل هناك أمل في تحقيق تقدم في هذه القضية قريبا؟ هل تنالون دعماً من الدولة اللبنانية مثلا او من جمعيات عالمية؟
- (تضحك بقليل من السخرية والعتاب) الدولة اللبنانية؟ الدولة اللبنانية لا تسأل حتى عن المخطوفين ممن كانوا في الجيش اللبناني عندما خطفوا أي خلال أداء مهمتهم الرسمية، فكيف بها عن الآخرين؟ كل ما يتم حتى الآن يتم بجهود ومبادرات فردية، حتى الأخبار التي تأتينا عنهم تأتي عبر أفراد بالصدفة.
"د.ن." ... كنت نفسي مخطوفاً
ويقطع حديثنا قدوم أناس جدد من ذوي المفقودين. ويجذبني من بعيد رجل يبدو في أوائل الخمسينات من العمر، يمر عبر الصور، ويتمتم ببعض الكلمات "هيدا بعرفو ... هيدا بعرفو ... هيدا ما بعرفو ..." يبدو أنه يقرأ الكلمات بصعوبة، كما يظهر من وقفته ومشيه أنه يعاني من جرح قديم أو اعاقة. أقترب منه قليلاً، وأسأله: "بتعرف ناس من المفقودين؟" فيقول لي، "أنا كنت معهم بس الله سترني."
- يعني أنت كنت مخطوف؟
- كنت مع اللي خطفوهن بـ13 تشرين الثاني 1990.
- يعني أنت حاربت؟
- أنا كنت بالجيش اللبناني. اعتقلونا ببيت مري، دير القلعة، كنا 3 وصار يكتر العدد وصاروا يلملموا من العسكر والجيش ويضربونا. عادوا كل واحد حطوله 2 سوريين يضربوه، وعذبونا نفسيا، يحطوا الفرد براسنا، وبعدين جمعونا، وحكي القائد تبعهن كلمة بعدني مذكرها، قال فيها يا ديعان الشباب، ومشونا مسيرة بعدما أمرونا كلنا نخلع تيابنا.
أنا ضربوني على راسي ورجلي كتير، كسروا لي منخاري، صار يقولي واحد منهم: سب ... ]سب معناها اشتم[ وانا كنت ارفض، ثم جعلونا نمشي على سياج شائك، ثم وضعونا في المتراس، ووضعوا معنا 7-8 قنابل، ثم فتحوا النار علينا. بقيت حياً وبقي معي حوالي اثنين آخرين أحياء مصابين اصابات بليغة طبعا. لا اعرف شيئا عن الباقين. هربت زحفاً في الأحراش حتى اهتدت الي فتاة ثم نقلوني الى منزلهم واسعفوني واعطوني ثيابا، ثم وصل الجيش اللبناني وتم نقلي ملفوفاً بالعلم اللبناني إلى مستشفى بيروت. بقيت أتلقى علاجا وأخضع لعمليات طوال السنوات الأربع التي تلت، وخضعت لحوالي عشرين عملية جراحية، كما أحتاج حاليا لأدوية تكلف حوالي مليون ليرة لبنانية شهريا لا تدفع لي الدول اللبنانية منها سوى 327 ألف ليرة لبنانية.
أتراهم أحياء؟
وبينما توجهت مع "د.ن." ليريني صور بعض أصدقائه ومعارفه، لمحت أم مصطفى وقد جلست على مقعد مواجه لصورة ابنها مع أم مصطفى. كانت تنظر إلى الصور التي تبعد عنها حوالي الأربعة أمتار، وقد امتلأ الحائط حولها بالصور، ثم تقول بصوت مرتفع: "شايفة ما أحلاه؟ أحلى واحد فيهن كلهن..." فأعود إليهما.
أسألهما، وأدرك كم هو قاسٍ سؤالي: "بتقولوا هني بعدهن عايشين؟"
فتجيبني أم مصطفى، بإيمان الأم، وبدمعة لم تمنع كلماتها من أن تحمل إلى جانب الألم أملاً: عالأكتر هني عايشين، ان شالله بيطلعوا." وتضيف أم خالد الجالسة بجانبنا وكأنها تحكي بدورها عن أملها بأن يكون ولديها أحياء وعن إيمانها ورغبتها بأنهما سيعودان: "بين فترة وفترة بيطلعوا ناس، من حوالي السنة طلعوا واحد بس كمان ما بيقدر يحكي. إن شالله بيطلعوا. ما حدن بيعرف."
مفقودي الحرب الأهلية: 17 ألفاً –على الأقل-
تقدر احصائيات لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في الحرب الأهلية في لبنان، أعداد هؤلاء بحوالي 17 ألفاً على الأقل. وبعد مرور 16 عاماً على اتفاق الطائف، و33 عاماً على تاريخ بدء الحرب الأهلية اللبنانية في الـ1975، لم تهدأ أذهان أهاليهم وذويهم، فمصيرهم لا زال مجهولاً.
وكل عام، عندما يأتي نيسان، وتستيقظ في قلوب اللبنانيين جميعاً مشاعر الحزن والألم والذكرى القاسية لحرب اختلطت فيها هويات القتلة والمقتولين وصبغت دماء اللبنانيين كل شيء بالآثام والخطايا وبالبراءة والطهارة، وسالت معها كذلك في الاثم وفي الضحية، دماء الفلسطينيين والسوريين وبعض الأرمن وقلة من العرب، يكون لهذه الأيام معنى خاصاً عند اهالي المفقودين، يشتد فيها هاجسهم الدائم الملازم لهم منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويسألون أنفسهم أكثر وأكثر: "متى يعودوا؟" ... "أتراهم سيعودوا؟"
التعليقات
(4)
غزة _ شارع الوحدة وسط مدينة غزة أرسلت بواسطة محمد أبوسيدو , April 14, 2008
شيء مخجل ومحزن في نفس الوقت مقالة جميلة وجمالها في قمة الالم الذي تسببة اي في وقوف العرب عند نقاط لا يفكرو حتي بتجازها او طيها بل بتجددها وتعميق معاناتها وفي النهاية تبقي الحكومات وتموت الشعوب قهرا
شكراً أرسلت بواسطة عبدالرحمن منصور , April 11, 2008
أول مره أقرأ عن المفقودين اللبنانيين صراحة! سمعت عن القضية كثيراً، لكن لم أرغب في أن ألتفت إليها لكن كلماتك تبعث علي الألم! صبر الله أهليهم وأعادهم إن كانوا أحياء كما تردد أمي مصطفي ):