|
عندما لا نرى ربيعاً أخضراً !!..
حسام عدنان صادق ـ الجزيرة توك ـ كلجاري ـ كندا
بعد عامٍ ونيف في كندا .. وبعد عقدين ونصف العقد من الزمان .. أرى أمام عيني فصولاً أربعة !!.. يتغير فيها الجو المحيط وتتباين فيها درجات الحرارة بشكلٍ لم أعهده من قبل .. وتتقلب فيها أحوال الناسِ ونفسياتهم تبعاً للفصل الذي يعيشون فيه .. ما كنتُ أنتظره طوال العام المنصرم .. هو أن أرى كيف تتغير الأجواء وكيف تُغيِّر معها الناس .. وأقارنها ببلادنا العربية .. عندما جئتُ إلى هنا أول مرة .. كنا في فصل الشتاء .. حيث البياض الأعظم هو ما تراه عيناك .. ثلجٌ أبيضٌ ناصع يغطي أنحاء البلاد .. ومعها .. ترى الناس أكثر هدوءاً .. وأصفى بالاً .. وأكثر سكينة .. تراهم في بيوتهم طوال الوقت ولا يغادروها إلا للضرورة .. ولكن في بلادنا .. ترى الشتاءَ يختلف .. بعضها لا تهطل فيه أمطار .. لعله غضبٌ من الله .. وبعضها تغطيه ثلوج بيضاء ولكن تختفي بعد أيامٍ قليلة .. لترى الناس في لهفةٍ لقطرةِ مطرٍ واحدة أو "برودةٍ" في الجو تُخفف عليهم "حرارة" الظلم والجوع والمعاناة .. ولكن .. لا تقنطوا من رحمة الله ..
وبعد شهور .. جاء فصلُ الربيع .. الذي لم أره في حياتي من قبل .. ورودٌ في كل مكان .. وأشجارٌ ملونةٌ بألوان غريبةٍ وعجيبة .. سبحان الله .. والناس تبدأ فيه بالتنزه والخروج إلى رحلاتٍ جبلية أو إلى أقرب بحيرة .. وترى الابتسامة على وجوه الجميع .. فهو فصل العطاء والنشاط والقوة ..

في أوطاننا .. لم نرى ربيعاً قط منذ أن تركنا صلاح الدين !! .. لم أرى وروداً تُزهر .. ولا أشجارٍ بفروع وأوراقٍ ملونة .. لم أرى فَرقاً بين ربيعِ أوطاننا وصيفه !! .. الناس هناك .. لا تشعر أن الربيع أتي .. ولا تراهُ يغادر !!.. لا يمكنني حتى أن أصف لكم الناس فيه .. فأنا لم أرهم في فصل الربيع بعد .. ولعلني – إنْ شاء الله - أعيش لفترة أطول كي أرى ربيعاً واحداً يرسم الابتسامة على وجوه البائسين !! ..

ومن ثمَّ أتى فصل الصيف .. وهنا .. تبدأ حرارة الجو ترتفع .. فقد تصل درجة الحرارة في معظم كندا في هذا الفصل إلى 30 فوق الصفر في أقصى الحالات .. والناس تكون في قمة الإنزعاج والضيق .. ولكنهم يستعينون بخلع ما أمكن من ثيابهم كي يتجاوزوا المحنة !! .. سترَ الله علينا وعليكم ..
في أوطاننا .. لا يغيب هذا الفصل عنا كثيراً .. الضيق .. التعب .. الرطوبة .. العطش .. كلها مشاعر تصاحب هذا الفصل الطويل والطويل جداً لدينا .. وكأنَّ الناس كان ينقصها شيءٌ يُضيِّق عليها الخناق أكثر .. ألا يكفي حكوماتها !! ..

وبعد ذلك .. يأتي فصل الخريف .. فبعد الصيف المتعب لابد للناس أن تُخفف من حملِها وتُنزل من على كتفها هموم السنة الماضية لتستعيد نشاطها وحيوتها .. كما تفعل الأشجار التي تتساقط أوراقها التي حملتها طوال العام لتخرج أوراقاً جديدة .. خضراء .. يانعة .. مثمرة .. تعيش على فروعها السنة الجديدة ..
عندنا .. في معظم مناطقنا .. ليس للخريف أثر .. لا أوراق تسقط .. ولا هموم تتساقط من على أكتاف الرجال .. ولا أوراق جديدة خضراء تُزهر .. الأمر كما هو .. عامٌ بعد عام .. بل في بعض الدول العربية.. صارَ الناسُ يحملون على أكتافهم همومَ عقودٍ طويلةٍ من الزمن ولا يمكنهم التخلص منها أبداً !! ..

لابدَّ أن للفصول علاقةً وطيدةً بالحياةِ وبالشعوب .. لا يُمكن للدنيا أن تكون دون فصولٍ أربعة .. فصلٌ يُثلج ويُمطر فتُغسل أرواحُ الناس .. وفصلٌ آخر تُزهر وتُورد فيه أحلامُ الناس .. وآخر تعبٌ وشقاءٌ وعمل .. وأخيرٌ للراحة ولتساقط الهموم مع الأوراق .. لتعود الدورة من جديد ..
|
غداً ســنعود والأجيال تصــغي إلى وقع الخـطى عــند الإياب نعود مع العواصــف داويــات مـع البرق المقدس و الشـهاب
مع الأمل المجنح والأغــــاني مع النســــر المحلق والعقاب
مع الفجر الضحوك على الصحاري نعود مع الصــباح على العباب
مع الرايات دامية الحواشــــي على وهج الأســــنة والحراب
ونحن الــــثائرين بكل أرض ســـنصهر باللظى نير الرقاب
تذيب الـــقلب رنـــة كل قيد ويجرح في الجوانـــح كل ناب
أجل !.. سـتعود آلاف الضـ حايا ضحايــا الظلم تفتح كل بـاب