|
بعد السنوات الخمس..هل سقطت بغداد فعلا؟
محمد لافي "الجبريني" ـ الجزيرة توك ـ عمّان ـ الأردن
تشحذ في هذه الايام وسائل الاعلام الفضائية هممها في مبارزة تستغل ذكرى حدث كان له أن يعتبر نفسه سيد أحداث القرن الجديد، واكثرها تأثيرا على مسار كوكب الارض، بأشكاله المباشرة، أو تبعاته الارتدادية في كل مناحي الحياة الكونية تقريبا خاصة مع تهاوي الاقتصادات المرتبطة بالامبراطورية الأمريكية المتأثرة بترديها على الساحة العراقية.
وكل حسب الفلسفة التي يتبناها، او تفرض عليه، يطرح الذكرى الخامسة للحرب ليسيطر على جمهور مشاهديه، ومن ثم ليحقن فيهم ما يحمله طوفان الذكريات والاحداث من صور واشاعات يصح منها ما يذكر فقط! ويخرج بالنتائج التي تطرح كمسلمات لا مناص للمتابع الا ان يقتنع بها، اذا ماكان لم يحدد وجهته منذ البداية ..
ضمن إطار الحرب الثقافية الاعلامية المعاصرة والتي تقودها بامتياز وسائل الاتصال والمعلومات العابرة للفضاءات.
وتبرز تلك البرامج والذكريات تحت عنوان اصطلحت عليه وسائل الاعلام والسياسة، هو عمليا وعلميا لا يمت للواقعية السياسية بشيء، فعن سوء نية، أو عن تبعية ثقافية غدى مصطلح "سقوط بغداد" هو الدائر على الالسن في الاشارة الاكثر اختزالا لأصل الاحتلال، وهو بات الايهام بإنتهاء عصر حضاري ليرتدي لبوس مرحلة جديدة على غرار نشوء امريكا أو لنقل سقوطها بأيدي الاوروبيين بعد ان غيروا تاريخها وواقعها الحضاري الذي بناه السكان الاصليين وادخلوها الى العالم ضمن ثوب ومرجلة سميت ب"العالم الجديد"، بعملية إلغاء واضحة لكل ما سبق قبل هذه الحضارة، والامر يتعلق مرة اخرى بمقولة "العراق الجديد"! كل هذا ضمن الحرب الثقافية السياسية الموازية للعمل العسكري، التي ماكانت تخص العراق وحده، بل شملت كل العالم الذي لم يدخل بيت الطاعة، وتستبق تمرداته القادمة بهذه الثقافة وقلبه المتمثل بالوطن العربي.
الابتزاز البصري
فكان أن تم تصوير ذلك المشهد الدعائي، الذي تم ترتيبه وفق تقنيات الفيلم الوثائقي، بإسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ميدان الفردوس وسط بغداد، وهو الميدان الوحيد في العراق الذي كانت الكاميرات لا يشتبه فيها بكونها قاذفات اربي جي محتملة، ولم يكن زي الصحافيين الواقي للرصاص يثير عنهم شبهة رجال المليشيا، كما كان يحصل في كل مناطق تواجد الصحافة العربية خصوصا قبيل الاحتلال، وشهداء الاعلام كانوا أكثر من شهود على هذا التكتيك، ليظهر للعلن المشهد الذي اريد له الاتقان، ويترسخ في الاذهان العربية وتحفظه وسائل المعرفة على مر التاريخ، كعلامة مسجلة تثبت ان بغداد قد "سقطت" تماما كما سقطت برلين او طوكيو أو حتى القدس، بذات المشهدية التي تتكرر في كل وسائل المعرفة مع حلول ذكرى النكبة برفع العلم الصهيوني في ساحات المدينة.
عابرون على كلام عابر
والسؤال الذي ينبع من الحديث اعلاه هو ، هل سقطت بغداد فعلا، كإشارة رمزية تختزل سقوط باقي العراق وبالتالي سقوط المثال القومي للمقاومة العربية ممثلا بالنظام العراقي؟
الجواب يمكن أن يحصل عليه من تقاريرجنرالات الحرب الامريكين نفسهم، وآخرها شهادة الجنرال الركن المتقاعد وليام أودم في 2/4/2008 أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي حول الوضع في العراق والذي أكد بما لا يدع مجالا للشك أن العراق عموما وبغداد خصوصا لم تسقط عمليا وإن كانت احتلت.
في المنطق السياسي والعسكري فأن سقوط مدينة ما يعني انه تم السيطرة عليها وفرض الارادة الاجنبية عليها، فيتم تغيير النظام الذي يعني طرح أمر واقع جديد على المدينة.
ورغم ما يقوم ويتسبب به الاحتلال من مجازر وما تركه على هذه البلاد من دمار، أصبحت احصائياته تقدر بالملايين.. مليوني قتيل، خمسة ملايين يتيم وملايين لا تحصى من المشردين والمنكوبين، اضافة لمحاولاته المستمرة المتخصصة في تدمير النسيج الاجتماعي عبر اشاعة الفرقة والتناحر الاثني والقومي، بل واللحاق حتى بتاريخ البلاد الذي دمر، وملاحقة أي امل في نهضة مستقبلية لها، عبر اغتيال المئات من العلماء والالاف من الاساثذة والاكاديميين الجامعيين وطلابهم، رغم كل ذلك فإن القول بأن العراق قد سقطت مع سقوط التمثال او بعده هو كلام يخلو من اي موضوعية او طرح عقلاني، لسبب بسيط هو أن العراق حتى الان لم يتماهي بعد مع ارادة المحتل، ولم تطوع ارضه ولا خيراته في يد المحتل، والاصل في كل هذا هو المقاومة التي توشك ان تقلب مصطلح السقوط ليكون رديفا للهروب الامريكي الوشيك من ارض العراق.
فحتى الان لم تتحقق امال الاحتلال من السيطرة الاستراتيجية على محصول النفط مثلا بعد ان بات سحبه من ثاني اهم مخزون استراتيجي يقع عمليا تحت سيطرته العسكرية والسياسية أكثر كلفة مما كان عليه الامر قبل خمس سنوات، وهو ماعنى بالضرورة خسائر تكتيكية توشك على ان تصبح استراتيجية خاصة مع تشرذم الحلفاء من حوله والذين وجدوا في انفسهم انهم دفعوا اكثر مما يجب ليفوزا بمكاسب لم يحصلوا الا على نقيضها من عزلة سياسية وتململ داخلي، وخير مثال ما تواجهه الحليفة الابرز بريطانيا والتي كانت من ابرز الاسباب في رحيل طوني بلير وغدوم براون.
سقوط أمريكا
لقد قال زبغنيو برجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي في عهد الرئيس الاميركي جيمي كارتر في مقالة نشرها في جريدة واشنطن بوست الاميركية يوم 30 اذار الماضي وترجمها الاكاديمي العراقي الدكتور عبدالله الغني تحت عنوان (السبيل الذكي للخروج من حرب غبية) أن الحرب اصبحت (بالنسبة للولايات المتحدة) مأساة وطنية ، وكارثة اقتصادية ، وكارثة اقليمية ومصدر ضرر عالمي مرتد على الولايات المتحدة نفسها. ولذلك فان انهاءها يخدم المصلحة الوطنية العليا للولايات المتحدة.
إننا بحصيلة الامر نكتشف أن السقوط لم يحدث، وهذا الكلام يتجاوز العواطف والامال تماما، فهو يدخل في صميم الموضوعية ، فالمقاومة قد حققت عكس ما كان مأمولا من الاحتلال، وترديد مفردة السقوط ماهو الا مواساة سياسية امريكية واختراق ثقافي عربي يحاول ان يجمد الوعي المقاوم ويثير العبثية حول اي حديث عنه، ما دامت بغداد قد "سقطت" وانتهى الامر!
صدق او لا تصدق!
ما يعلمه الاحتلال الامريكي هو أن بغداد لم تسقط، وأن وجوده في البلاد يعني تكلفة مضاعفة، فجل ما يريده هو سيطرة الحكومة المستجلبة الحالية على البلاد لتتمكن من قطف الثمار السياسي الذي سيحتكر هو فوائده، وهو الامر الذي لم يتحقق حتى والذي يعني مأزقا يشتد خناقه كل يوم وهو ما يتوضح في احاديث نخبه السياسية والعسكرية على حد سواء.
وشهد شاهد..
وفيما يلي نضع ابرز النقاط التي وردت في شهادة الجنرال الركن المتقاعد وليام أودم في 2/4/2008 أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي حول الوضع في العراق والتي لخصها الدكتور ابراهيم علوش في ترجمته وتقديمه للشهادة والمنشور بالتفصيل على موقع شبكة البصرة.
· تم تخفيض العنف مؤقتاً ولكن اليوم هناك دلائل موثوقة بأن الحالة السياسية أكثر تمزقاً بكثير من السابق
· دعني أؤكد أن أصدقاءنا السنة الجدد يصرون على تلقي المال مقابل ولائهم... وبشكل دوري يهددون بالارتداد علينا إن لم نزد من رسومهم...
· الوضع العسكري الأساسي بات أسوأ الآن بسبب تكاثر المجموعات المسلحة تحت قيادة زعماء عسكريين محليين يتبعون لعدد متكاثر من الرؤساء السياسيين
· إننا نشهد ما يمكن وصفه بدقة أكبر: الطريق إلى بلقنة العراق، أي التفكيك السياسي
· إن الإستراتيجية العقلانية الوحيدة هي الانسحاب بسرعة ولكن بشكل منظم
· الخطوة التالية هي اختيار هدف جديد: الاستقرار الإقليمي، لا نصرٌ بلا معنى في العراق
· نحن نستحق اللوم على ما سيجري بعد انسحابنا، لكننا لا نملك الوسائل المادية لمنع حدوثه
· قواتنا في العراق وتهديدنا بتغيير النظام في إيران هو ما يجعل المنطقة غير مستقرة
· العراقيون الشيعة هم عرب، ويعرفون أن الفرس يزدرونهم. فالتعاون بينهما له حدوده
|