عبد الحليم غزالي ـ الجزيرة توك
الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قال كلاما كثيرا في خطابه المرتجل أمام القمة العربية الأخيرة في دمشق، أثار دهشة البعض،وإعجاب آخرين كعادة العقيد في مثل هذه المناسبات التي يتحرر فيها من الكلام الرسمي المنمق ،مما جعل الكثيرين يعتبرون ما يقوله القذافي أهم من القمم ذاتها، خاصة أن القمم تبدو ضعيفة التأثير والفاعلية، بل وساحة للتناحر ، والقمة الأخيرة لا تخرج عن هذا السياق‘فإذا كانت القمة أشبه بمسرحية فمن يخرج عن النص هو الأكثر جاذبية!أيا كان الأمر فقد توقفت أمام تحذير القذافي للقادة العرب من أن يلقوا مصير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين،معتبرا أنه لا أمان للأمريكان الذين كانوا أصدقاء لصدام حسب تعبيره، وتساءل القذافي كيف يحدث هذا لزعيم عربي ودولته دون أن يتحرك العرب..
ولا أحد يدعي أن أمريكا تحب العرب أو تعمل من أجل مصالحهم، لكني ما لفت انتباهي هو أن أمريكا أصبحت شماعة جاهزة لكل خطايا العرب وأخطائهم،وثمة توافق خفي بين الشعوب أو النخب والأنظمة على مواصلة هذه اللعبة التي لا تأبه أمريكا بها لأنها تحقق مصالحها في كل الأحوال،وقد فهمت العرب جيدا ، وأصبح لسان حالها دعهم يصرخوا فقد اعتادوا على ذلك ودعهم يخطبوا فهم يعشقون ذلك ودعهم يغرقوا في المكالم المتنوعة فهذه هي موهبتهم الوحيدة !
و حقيقة الأمر أن شماعة أمريكا هذه تخفي وراءها حقيقة شديدة الخطورة هي أن سبب هزائم العرب وتخلفهم هو النظام الأبوي البطريركي السلطوي الذي قاد إلى كوارث ،علينا العمل على تفكيك هذا النظام تدريجيا قبل اللجوء لأية حلول تلفيقية مثل "الديكورات الديمقراطية "و"الديمقراطية رضعة رضعة"أو "قطعة قطعة"، فضلا عن "الديمقراطية الشفهية"كم هو الحال في مصر حاليا حيث المبدأ الفعال "قل ما تشاء وافعل ما نشاء"!
النظام الأبوي يا سادة جوهره ديكتاتورية الأب الأعظم ومعه الآباء الصغار ،هو نظام الملك الأب شيخ القبيلة الرئيس الزعيم العلامة القائد الرائد الرفيق المناضل الثوري،حيث الألقاب تتراوح ما بين أقصى اليمين لأقصى اليسار وهي لرجل واحد يوزع شطائر من سلطاته أو ملكوته على المحيطين به والمحيطين بهم والمحيطين بالمحيطين بهم وهكذا حتى نصل إلى رجل يرأس اثنين من زملائه في هو أيضا أبوهما السلطوي البطريركي ،فنحن أمام أشكال وأنواع من البطاركة الذين يعلوهم آخرون أكبر وأقل عددا حتى نصل إلى البطريرك الأكبر المقدس ذو الحكم والحكمة المطلقين!
وإذا كان القذافي قد ضرب مثلا بصدام في غدر أمريكا بالأصدقاء فالصحيح أن الرجل نموذج يدرس للنظام الأبوي البطريركي في كافة مراحله وأحواله،فصدام بدأ حياته ثوريا مناهضا لحكم فاسد ، ثم دخل في مغامرة الانقلابات وهي لعبة كانت شائعة في دول العالم الثالث في النصف الثاني من القرن الفائت، ثم نجح في أن يصل تدريجيا لمكانة الرجل الأول في العراق،ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط نظامه في عام 2003، وعلى مدار ما يقرب من ثلاثين عاما أظهر تجليات بطريركية تفوق ما كان لرجال في حجم سوهارتو وموبوتو وماركوس ،فالرجل قرر معاداة إيران ودخل معها في حرب عبثية لمدة ثماني سنوات انتهت عام 1988 ،والمؤسف أنه لقي دعما ماليا ومعنويا عربيا هائلا، وكان "حارس البوابة الشرقية" في نظر من ناصروه وانقلب عليهم بعدما أصبح "خالي المآسي"، وكانت كارثة غزو الكويت،والكل يعرف ما جرى ونتائجه، فهل يمكن تحميل أمريكا هذه الكارثة بفرض صحة الرواية القائلة بأنها ورطته بإعطائه إشارة خضراء لغزو الكويت ؟، لا لقد تسببت" البطريركية السلطوية العظمى" في إلحاق أشد الأذى بالأمة بأكملها، ووجدنا أنفسنا أمام حدث جلل تم في ساعات دون أية حسابات منطقية،ببساطة لأن أبانا المقدس شاء،والموت لمن يقول لا!
لقد أدت موجة تلبيس أمريكا دور إبليس إلى مآسي منها تحويل موت صدام الديكتاتور المخرب المصاب بمرض جنون العظمة لبطولة ،ومن الالتباسات الترحم على أيام صدام،وإدمان سب أمريكا ومهاجمتها، أمريكا يا سادة لم تخترع صدام ولكنها وجدته ولعبت به وبغيره، ولا يعني كلامي أية تبرئة للولايات المتحدة من جرائمها ضد العرب، والحل ليس في لعنها كما قلت أو الهروب من مواجهة البطريركية الأبوية التي تحدث عنها المفكر المرحوم الدكتور هشام شرابي مطولا في كتابه "النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي"، في نظرية متكاملة الأركان لا يتسع المجال لشرحها،لكن هذا النظام يبدأ بالأسرة الصغيرة والقبيلة وهكذا إلى أن نصل" للرجل الكبير جدا "وفقا لتوصيف مصري دارج في الحديث عن رأس الدولة !
وبالقطع هذا النظام بدأ منذ الدولة الأموية التي حولت الأمة إلى ملكية خاصة للحكام ،وهكذا إلى أن وصلنا إلى صدام ،و قبله كان هناك عبد الناصر ولا أقصد هنا المقارنة وإنما أتحدث عن مرض اجتماعي سياسي، فهزيمة 1967 كانت بسبب نظام فردي ديكتاتوري، ودعنا نتذكر أن عبد الناصر سلم الجيش لصديقه عبد الحكيم عامر المهمل غير المحترف ضحل الوعي وهو المدرك للتحديات والمخاطر التي تواجهها مصر والعرب ، ومن أعراض ترسخ النظام الأبوي لدينا خروج المصريين للشوارع بعيد الهزيمة رافضين تنحي الزعيم لأنهم لم يتصوروا وجودهم من دون منح وكالة السلطة والقيادة لكاريزما تدغدغ عاطفيتهم ومشاعريتهم الفياضة‘ في ظل تغييب المحاسبية العقلانية!
ولا يعني ذلك غياب المؤامرات على العرب ، لكن الأخطر هو التآمر على الذات،فنحن في حاجة لتغيير الذهنية وتحييد المشاعرية، وتحديد الأولويات، وأعتقد أنه من الضرورة تعاون مفكري ومثقفي الأمة المخلصين ومنظمات المجتمع المدني في العمل على تفكيك النظام الأبوي من أسفل إلى أعلى ،حيث يجب أن يبدأ بالأسرة أي بصياغة جديدة لدور الأب، و تقديم العدل والعقل على الطاعة العمياء،و الترويج لذلك ،ثم إعمال التفكيك في وحدات الدولة والمجتمع الصغيرة والكبيرة تدريجيا ،وأظن أن الفهم الحقيقي للدين يسهم في هذا التفكيك لأن المساواة والعدل هما من أبرز القيم التي يحث عليها،وليس في الإسلام بطريركية رعوية ،بل على العكس ارتبطت هذه السمة بالديانة المسيحية إلى أن تم تفكيك أبوية الكنيسة مع ظهور الديمقراطيات الحديثة الغرب خلال القرن الثامن عشر. وفي كل الأحوال علينا التخلص من" وسواس أمريكا القهري "و العمل على منع ظهور "صدامين جدد" و تفكيك "الصداميات " الحالية ، حتى نتجنب الكوارث ما ظهر منها وما بطن!
|