|
قصة حقيقية.. والبطلة "مجهولة النسب"!
آلاء أبو عيشة - الجزيرة توك - غزة
"أنا منى، ولدت في القاهرة، عمري تسع سنوات، أتينا إلى قطاع غزة مع استلام السلطة الوطنية الفلسطينية زمام الحكم فيه، أسكن حي النصر مع عائلتي المكونة بالإضافة إلى –محسوبتكم- من أخي الأصغر رائد وأمي الحبيبة وأبي الغالي".. ( تموز-1998م ) كنت يومها بدأتُ أول أيام الدراسة في الصف الرابع الابتدائي، لم يكن المستوى هو من تغير عليّ وحسب.. بل البلاد والعباد كذلك تغيروا!!
من مصر إلى غزة كانت رحلتي.. وشهر (تموز) كان دوماً رفيق الدرب فيها.. بدَأَت الحكاية منه وانتهت إليه.. عامٌ مضى.. عامٌ يعود.. عامٌ سيأتي.. و(تموز) كما هو.. لم يغير لون الثوب الذي يزورني فيه كل مرة.. حزنٌ يكلله ضعفي.. والسؤال واحد.. "ماذا تراك تخبئ لي يا شهر المصائب في عامي الجديد"؟..
(تموز-2002) والحكاية الأولى: أمي تزور دار خالتي لأن زوجها توفي.. والصدفة البحتة هي من حدا بي وأخي رائد نحو خزانتها القديمة.. لم نكن لنبحث في خصوصياتها يوماً.. لكننا فعلنا، وهذا ما قد حدث.. أوراقٌ ثبوتية كثيرة.. عقد الشقة.. هوية أمي.. بطاقة التموين الخاصة بأبي.. ولكن!! "ماذا تراه يخبئ ذلك الكيس الأسود المتواري بين الأوراق؟ إنه ملصقٌ بإحكام"..
قلت لرائد يومها: دعك منه، لو علمت أمي أننا فتحناه ستعاقبنا.. لم يستمع إلي وفتحه بحذر.. ما هذا؟ ورقتان مصفرتان!! "هيا يا رائد قم فأضئ المصباح".. قرأتُ فيهما قليلاً.. لم أستوعب شيئاً.. "لالالالا هذا ليس صحيحاً.. لعلي أخطأت القراءة.. يا إلهي ماذا أرى؟ شهادتيّ ميلاد باسمينا (منى، ورائد).. لكن!!.. يا ربي أسعفني بشيءٍ أقوله لرائد.. يا اللـــه ماذا أرى؟ أنا ورائد لسنا مسجلين بذات اسم الأب أو الجد أو حتى العائلة!!
والفاجعة الكبرى: كلينا لم يكن اسمه مطابقاً لاسم هذين الشخصين اللذين نعيش معهما الآن!!..
من أنا؟.. من هو؟.. من هما؟ من أين أتينا؟ "انتظري يا منى.. ما يزال الكيس يحوي أوراقاً أخرى".. وليت الأوراق أنكرت ما قرأنا.. لقد حملت فصل القول.. إنها وثائقٌ تشهد أننا (أي منى ورائد) طفلين مجهولي النسب.. مكفولين من قبل تلك المرأة التي كنت أظنها أمي.. وذلك الرجل الذي اعتقدته طوال سني عمري "أبي".. لم أصدق ما رأيت.. رائد جلس إلى جانبي يبكي.. وأنا التي قرأت كل شيءٍ على مسامعه بعلو الصوت.. لم أنطق بحرفٍ واحد.. كل ما أعرفه أنني جلبت رأسه نحو صدري وبكيت على وقع دمعه.. مرت أيام العزاء الثلاثة وعادت أمي لترانا بوجوهٍ مصفرة.. وثيابٍ قذرة لم تعهد علينا البقاء بمثلها.. عينيها حملت ألف سؤالٍ وسؤال.. لكن عيوننا نحن حملت من الأسئلة مليار!! (من أنتِ)؟ بادرتها بهذا السؤال.. أجابتني :"ماذا تقولين؟ هل جننتِ؟"، لم يكن ليبدو على وجهي شيئاً من المزاح.. ورائد تابع عني القول بسؤاله لها :"من أنا"؟ هنا تيقنت أننا لا نمازحها.. واجهتُها بالحقيقية.. والأوراق في يدي!! أنكَرَتْ.. كنتُ مصرةً على إجابة.. انهارت.. بكت.. ثم اعترفت!! (هي لا تنجب الأطفال، ولذلك اتخذتنا ولدين لها من جمعيةٍ قالت لنا إنها تعنى بمجهولي النسب في مصر).. كان هذا يوم.. وتلته أيااااااام!!
بدأنا نتمرد على كل شيء.. لا نريد المدرسة.. رائد يجوب شوارع غزة.. أنا أتشاجر معها لأتفه الأسباب.. أصارحها بكرهي لها.. حقدي عليها.. صدقوني ليس لأنها لا تمت إلينا بصلة.. بل لأننا ليس لنا من الرحم أي صلة!! تمردنا على واقعنا لا عليها.. ما ذنبنا حتى يُطلقَ علينا المجتمع لفظه الجارح "أولاد حرام"؟ ما ذنبنا حتى نشعر أننا ثمرة خطيئة كان ارتكبها أبوانا؟ أتراهما حيين؟؟ أبقي في قلبيهما ذرةً من الضمير تصرخ فيهما "لماذا فعلتما هذا بنا"؟.. أتراهم وجدوني كما يجدون "مجهولي النسب" ملقاةً على عتبة باب أو مهملةً إلى جوار إحدى حاويات القمامة؟ يا لبشاعة الصورة..
بعد يوم "الاعتراف" حلمتُ بأمي الحقيقية كثيراً.. رأيتها مرةً تلبسني طرحة العروس.. مرةً أخرى تحمل طفلي بين يديها، وتهدهد له مدندنةً أغنيات ما قبل النوم.. لكنني كنت أصحو على صوت واقعي "وأحياناً صوتها هي يناديني.. حان وقت المدرسة".. إنه مجرد حلم.. حلمٌ لا يمكن أن يتحقق.. هكذا ودون سابق إنذار.. "نحن لسنا نحن"!! حياتنا التي كنا نحياها لا تخصنا!! حتى حنان "أمي مجازاً" لم يكن لنا!!.. صراخٌ ومشاجرات يومية.. رائد لا يعود إلى البيت إلا بعد انتصاف الليل.. وأنا ألاحقه.. وهي تلاحق كلينا..
الحكاية الثانية (تموز-2004): بقينا على حالنا هذا مع أمي حتى بلغتُ من العمر 15 عاماً، حينها اشتد بها الإعياء، وباتت غير قادرةٍ حتى على حمايتي في الوقت الذي اختفى فيه والدي بظروفٍ غامضة.. فجاءت لها هنا نصيحة الشيخ أحمد ياسين رحمه الله بإيداعي مبرة الرحمة، على أنها جمعية تعنى بالأطفال مجهولي النسب.. وبالفعل أمّنَتْ وجودي هناك.. وبعد أيام فوجئت برائد يتبع بي.. أما أمي (مربيتي) فوجدت داراً للمسنين تعتني بها "فقد بلغت من الكبر عتياً"..
(تموز-2005) والحكاية الأخيرة: "ماتت".. نعم لقد ماتت أمي التي ربتني.. ماتت وهي تدعو لي بالصلاح والرضا.. حينها شعرت كم تشبهني هذه المرأة "عاشت معنا وحيدة" وماتت وحيدة، ماتت وحيدةً وبجوارها فتاة كانت في يومٍ من الأيام مسجلةً في الهوية باسمها!!
(تموز-2008) والحكاية القادمة: اليوم أعيش في مبرة الرحمة.. أرى في كل يوم طفلاً أو طفلةً جديدة تضاف إلى قائمة الأطفال المتواجدين هناك.. في كل مرة أراقبهم فيها أرى لمعة البراءة في عيونهم.. أسأل نفسي.. هل مات الضمير حقاً حتى يكون مصير هذا أو ذاك كما مصيري أنا؟؟.. لعل قصتي تهون أمام قصصهم، فأنا عرفت معنى البيت.. الأسرة.. وشعرت حتى بحنان الأم.. أحاول جادةً الآن أن أكون لكل طفلٍ هنا أماً.. لربما يعوضني ذلك ما ينقصني ويعوضهم ما ينقصهم..
نعود إلى تاريخ الحكاية (تموز المقبل)..سأكون في ذلك التاريخ أتممت 19 عاماً، أي "عروساً" تنتظر فارس الأحلام.. فهل تراه سيأتي؟ أتراني سأجد ذلك الشاب الذي سيتغاضى عن أصلي وفصلي "في مجتمعنا العشائري" ليتقدم إلي ويعوضني قسوة الأيام؟.. أتراني سأشعر بشعور "الأمومة" الذي حرمتُ منه في ماضيّ وحاضري؟؟.. وإن حدث.. أتراني سأجد طفلي يوماً يلاحقني.. يصرخ في وجهي.. "خذي اسمك عني"؟!!
سأترك لك الإجابة عزيزي (تموز).. وإلى حينها سأترقب منك هديةً جديدة.. أتمنى أن لا تغلفها -كما دوماً- بالأسود!!
|
" فان لم تعلموا ابائهم فاخوانكم في الدين ... " ...
اختي الفاضلة ..." بطلة القصة " ... لا انكرك ان القصة ماساوية ... ولكن تتلاشى ماساتها اذا ما فررنا منها الى عدل الله ورحمته وفضله والتوكل عليه ... تتلاشى اذا ما التجانا اليه ... وهو على كل شئ قدير ... خاصة ان ليس لك ذنب ... وما عليك الى ان تضعي مخافة الله نصب عينيك ... وان تكوني مثالا للاخت المسلمة الصابرة المحتسبة ... وسياتي تموز القادم باذن الله باخ مناسب طيب لياخذك الى منزل العفة والطهارة ..." فالطيبون للطيبات " .... سياتي تموز ... ولكن ليس كاي تموز سبق ...
دعائي لك بالتوفيق والسداد ... بالهدى والتقى والعفاف والغنى ...
اخوك في الله ... ابو مصعب الضفاوي