|
محمد صالح كيالي ـ الجزيرة توك
صحا ليونارد من غيبوبة لازمته ثلاثين عاماً بفضل تجربة دوائية جريئة من الدكتور ساير، طبيب جديد وافد إلى المستشفى لم تستهوه الأساليب التقليدية في التعامل مع المرضى.
عانى ليونارد ومجموعة أخرى من المرضى من التهاب دماغي دخلوا بسببه في غيبوبة لعشرات السنين، تبقى وظائفهم الحيوية نشطة لكنهم في الحقيقة أجسام متخشبة هامدة.
استند فيلم Awakenings (الصحوات) على رواية واقعية للكاتب (والطبيب ) Oliver Sacks تحمل الاسم نفسه، يأتي فيها طبيب خجول قليل الكلام يتعامل مع المرضى بشكل مختلف ويستطيع الوصول إلى عقار يوقظهم من تلك الغيبوبة، لكن ينشئ بينه وبين أحد المرضى (ليونارد) علاقة من نوع خاص ...يستطيع فيها ليونارد أن يؤثر على حياة الطبيب وحياة من حوله ..
لماذا ؟؟ ببساطة، لأن ليونارد تجاهل ثلاثين عاماً من الغيبوبة بعد صحوته. أراد أن يستمتع بحياته وشعر بأنها نعمة كبيرة لا يشعر بها أحد حوله. تجده دائماً ضاحكاً مبتهجاً مهتماً بمظهره. تفاعل مع الناس وأراد أن يكون عائلته الخاصة حتى ، مل من الجلوس في المستشفى كالسجين. لقد أحس بالحياة !!
لا أعرف لماذا ولكنني كلما شاهدت هذا الفيلم شعرت بأنه يتكلم معي شخصياً. يتكلم معي كفرد من مجتمع عربي يعاني –كغيره - ما يعاني من المصائب والمشاكل. يقال عن عقلنا أنه يمر في غيبوبة منذ مئات السنين ! ربما. لكني أحلم دائماً بإنسان على نمط الدكتور ساير. يكسر المحظور ويوقظ عقولنا من هذه الغيبوبة، لم يتقيد ساير بالتعليمات المستشفى و زاد جرعة الدواء خلسة، كان من الممكن أن يقتلهم هذا !! ولكنه نجح في النهاية.
لكن .. كيف سيقوم الطبيب الذي سيكسر المألوف بعمله في مجتمعنا؟ هل سنخوّنه ؟ نكفره ؟ أم هل سنعتبره ديكتاتوراً أو معتوهاًَ... حتى ليونارد قاد ثورة ضد الطبيب الذي أنقذه بعد شعوره بأنه يريد السيطرة على حياته ، ترافق هذا طبعاً مع نوبات غريبة تعيده إلى الحالة التي كان عليها... ولكنه تعاون مع الطبيب أيضاً!! لا تفارق ذهني عبارة "تعلم من أجلي" التي كان يكررها أثناء مروره بالنوبة. من أهم ميزات الإنسان الحر عدم الانصياع الأعمى و التفكير دائماً فيما يجري حوله، لكن عليه أن ينتبه من التمرد الأعمى أيضاً فلهذا تأثير سلبي أكبر من الطاعة العمياء ربما.

شعر بعض المرضى الذين كان لهم نفس الأعراض بالحنق والغضب لأنهم عادوا للحياة، شعروا بأنهم خدعوا طوال هذه الفترة. لم ترق لهم فكرة أن السنين الماضية مرت عليهم وهم جثث حية، أصبح التعامل مع الواقع صعباً بالنسبة لهم. أعتقد أننا نتشارك معهم في هذه المشكلة. يبدو أن الغيبوبة التي مررنا بها أفسدت علينا الكثير مما يجري حولنا. وها نحن الآن نحاول أن نتعامل مع الوضع لكننا مشوشين. يبدو أن روح ليونارد غير موجودة فينا، ليونارد لم يهتم لما جرى له طوال الـثلاثين سنة الماضية وتعامل معها كأنها يوم عابر. تعرض الشعب الياباني لقنبلة ذرية لا يزال يعاني منها لليوم !! لكن يبدو أن روح ليونارد جعلته يقف على قدميه من جديد وينافس أقوى دول العالم..
تعجب ليونارد بعد صحوته من هدوء المكان فأجابه الدكتور ساير بأن الجميع نيام.. تبسم ليونارد وقال " لكنني لست كذلك"
|
ربما على الاقل ليس على كل فرد ان ينتظر موقظه ، فليس من موقظ للفرد الا ارادته
وربما الموقظ الكبير يأتي من بين هؤلاء ممن يتنبهوا الان ولو متاخرا