|
ياسر الغرباوى ـ الجزيرة توك
الترويج لقضية من القضايا سواء كانت سياسية أواجتماعية أو بيئية فى منطقة من المناطق اصبحت صناعة، يقوم بها أناس محترفون ومتخصصون فيما يعرف بعلوم الاتصال ضمن مؤسسات ومراكز إعلامية عالمية ضخمة تمتهن هذه الصناعة وترصد لها ميزانيات ربما تفوق ميزانيات بعض الدول الفقيرة ،فتحويل قضية محلية إلى قضية رأى عام عالمي تتطلب الكثير من الجهود المتشابكة والمتداخلة والمتعاونة حتى تتربع على سلم الإهتمام العالمي. وما قضية دارفور منا ببعيد، فبين عشية وضحاها أصبحت الخلافات القبلية الداخلية بين الرعاة والمزارعين السودانيين فى الإقليم وقت الجفاف قضية تجتذب أنظار الراى العام العالمى والمنظمات الإنسانية والحقوقية بكافه أنواعها وأطيافها..
وبلغ الإهتمام إلي درجة دخول شركة جوجل على الخط عبر توفر خرائط علي مواقعها يمكن من خلالها التعرف على مواقع اللاجئين االفارين من القرى التى تعرضت لما يسمى بالتطهير العرقى وفق الرواية الغربية، وفى ذات الوقت لم تنل قضية حصار غزة نفس الإهتمام فى الوسائل الإعلامية العالمية بإستثناء بعض المحطات العربية، رغم فداحة الوضع الإنسانى فيها مقارنة بإقليم دارفور.
فى المحصلة النهائية بروز قضايا دون غيرها ومصطلحات ومفاهيم دون غيرها على الساحة العالمية إنما يخضع لإستراتيجيات تتحكم فيها أطراف عالمية كبري تستفيد من ابراز قضية دون غيرها أو مفهوم دون غيره أ ومصطلح دون سواه .
وما ينسحب على القضايا السياسية والاجتماعية ينسحب بنفس الكيفية علي المصطلحات والمفاهيم، فالمصطلحات ليست "مجرد كلام" كما قد يظن البعض، بل نقاط مرجعية تؤثر فى تكون الذاكرة التاريخية للمجتمع،قوالب يُصَبُ داخلها الرأي العام، وهي على المدى البعيد، إذا تركت تعمل دون وعي، تصبح ذات تأثير تراكمي يخترق الوعي الجمعي للمجتمع ويفجره من الداخل .
فمثلا على مسار الصراع العربي الإسرائيلى دخلت العديد من المفاهيم والمصطلحات الجديدة علي الساحة الإعلامية العربية بكافة انواعها، واستمرار استعمال هذه المصطلحات سيصب حتماً فى خانة المصالح الاستراتيجية للعدو الصهيوني.
فاستعمال مصطلح "مستعمرات" و"مستعمرين"،
فى الكثير من وسائل الإعلام العالمية والعربية عوضاً عن "مستوطنات" و"مستوطنين"،سيكون له الأثر السلبى البالغ على ذاكرة الاجيال العربية الصاعدة ،لأن الإستيطان يوحي بسكن أراضٍ خالية من السكان، بينما الاستعمار يقوم على فكرةالاحتلال بالقوة وطرد السكان الأصليين، هذا مع العلم أن مصطلح "استعمار" نفسه يحمللفظياً شحنة إيجابية لأنه مشتقٌ من فكرة التعمير والبناء، ولكن استخدام مصطلح "مستعمرة" يظل أفضل بالتأكيد من مصطلح"مستوطنة".
إذا كان هذا المثال السابق يأتى فى إطار العدو الخارجي فهناك ايضا مصطلحات ومفاهيم يؤدى إستعمالها إلي تهديد تماسك المجتمع الداخلى،وتهديد وحدة النسيج الوطنى القائم فى المنطقة العربية والإسلامية.
فمثلا: مصطلح الأقليات
اصبح من المصطلحات المتداولة الآن بقوة فى الساحة العربية والإسلامية سواء الأكاديمية أو السياسية أوالإعلامية على الرغم من أن هذا المصطلح مفخخ وعالى الخطورة ويرقى لبلوغ ما يسمى بمرحلة( ممنوع الاقتراب) وذلك لجمله من الأسباب منها :
أ – مصطلح الأقلية: مصطلح مستفز لكل من الأقلية والأغلبية على حد سواء وُيصيب العقل الجمعى للمجتمع بما يشبه الصدمة النفسية ، مثلما تجد شابا مفتول العضلات وسيم القسمات فى كامل صحته وعافيته ،فجأةً تجد من يهمس فى أذنيه دون سابق معرفة، ويقول له انتبه كان لى صديق شاب مثلك لكنه توفى بالفشل الكلوى وهو فى مثل سنك!! ، فهذه الهمسة التى يبدو عليها الحرص والأمانة ربما تُدخل هذا الشاب فى غياهب من الشكوك والهواجس!! حتى يتأكد أن الكُلى عنده تعمل دون خلل!! . فعندما يسمع المجتمع مصطلح الاقلية ينقدح فى ذهنه أنه منقسم لأغلبية واقلية، وعلى الاقلية أن تسعى لتقوية مركزها وعلى الأغلبية ألا تفرط فى مكاسبها ، وبالتالي ينتقل لحالة من عدم الإستقرار فى علاقاته مع بعضه البعض .
ب – مصطلح الأقلية والأغلبية فى الأساس هو مصطلح سياسيى يستخدم للتعبيرعن نتائج انتخابية عادة تتسم بالصراع الحاد لكسب أصوات الناخبين ،وبالتالي ليس من الصحيح أن ُتستدعى مصطلح الاقلية فى إطار الحفاظ على السلم الأهلى والنسيح الوطنى .
ج – الذاكرة التاريخية لمصطلح الأقلية أو الاقليات فى العالم العربي والإسلامى مرتبطة بملف التدخل الخارجى فمصطلح الأقليات والعرقيات برز بشكل حاد فى الفترات النهائية لما كان يعرف بالخلافة العثمانية، وذلك عندما بدأت القوى الكبرى فى تقسيم تركة الرجل المريض عبر العديد من الوسائل والتى كان من بينها الدخول إالى المنطقة العربية من نافذه رعاية بعض (الأقليات ) المهددة فى العالم العربي!! ،ولكن قد يسأل سائل ماهو إذن المصطلح السليم الذى ينبغى أن نستعمله لكي نعبر به عن اختلاف وتنوع أطياف النسيج الوطنى فى عالمنا العربي ؟؟
هذا السؤال هام جدا وسوف أتعرض له فى المقالات اللاحقة .
وبالتالي ينبغى على النخب العربية الواعية أن تتحلي بالدقة والحدز عند استعمال المصطلحات والمفاهيم التى ترد علينا من ثقافات البلدان الأخري والتى تختلف بطبيعة الحال بحكم إختلاف المرجعية الفكرية والتاريخية لهذه البلدان عن مرجعية شعوبنا العربية.
ولا يفهم من هذا رفض كل مايفد إلينا من معارف وعلوم ومصطلحات جديدة، ولكن نقف فقط وقفة الفاحص والمدقق الحريص على امته ووطنه وشعبه .
|