|
حرب" العلمانية الرجعية" و"الإسلام الديمقراطي" ! |
|
|
|
01/04/2008 |
عبد الحليم غزالي ـ الجزيرة توك
تتصرف القوى العلمانية في تركيا وفقا لذهنية تنطوي على رجعية في الفكر والممارسة معا،حيث تريد بشكل أو بآخر إعادة البلاد إلى الوراء،وقتل تجربة الإسلاميين الجدد الممثلين في حزب العدالة والتنمية الحاكم ، تجربة التي قامت على مبادئ الاعتدال وتحكيم القيم الديمقراطية وقبول التعايش مع الآخر العلماني الرافض لأية مرجعية دينية للفرد والجماعة في دولة تسعة وتسعون في المائة من سكانها مسلمون،هذه الذهنية أزمتها تنطلق من تقديس الأيدلوجيا الكمالية ،حيث تريد إعادة إنتاج تجربة الزعيم مصطفى كمال أتاتورك الإقصائية المتطرفة في رفض المقدس الإسلامي،بكل الطرق والوسائل الممكنة..
انطلاقا من ميكافيللية مقيتة مناقضة للأيدلوجيا ذاتها،فالقانون يجري تسييسه في وضح النهار ويجير لمواجهة حكومة منتخبة ديمقراطيا، والسير في طريق رفض الآخر الإسلامي لدرجة تسويغ الانقلابات، بل ومحاولة تهيئة الأجواء لها بحجة حماية الدولة وقيمها وإرث مؤسسها،سلسلة من التناقضات التي تفضي إلى انحسار هذا الشكل من العلمانية غير الموجود في أي مكان في العالم سوى تركيا، انحسار يبلورها في نخبة غوغائية وجنرالات يقدمون البندقية على الفكرة بل وعلى استعداد لمواجهة الرأي الآخر بهذه البندقية، توجه في مجمله يخالف سير عجلة التاريخ والتطورات الجارية في العالم أجمع.
وجزء من الأزمة هو أن مزيدا من التطرف والميل للتعنت والانغلاق أصاب القوى العلمانية في تركيا التي تشمل كبار ضباط الجيش ورجال القضاء وجزء من المعارضة والبيروقراطيين وأساتذة الجامعات جاء نتيجة للتطور الذي حدث لإسلاميي تركيا بتخليهم عن الكثير من الأفكار المحافظة ،والقبول بالعلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة ،والقيم الديمقراطية وهنا أتحدث عن تيار الإسلاميين الجدد تحديدا الممثل في حزب العدالة والتنمية، والمعنى أن الاعتدال الذي سحب البساط جماهيريا من العلمانيين قاد إلى تطرف في المعسكر الآخر بدلا من أن يقابل باعتدال آخر،وفي هذا السياق أذكر أن قياديا في حكومة و حزب العدالة والتنمية قال لي خلال مقابلة في مطلع عام 2005 أن مشكلة التيار العلماني في تركيا أنه جعل من الكمالية عقيدة ودينا،في حين حول الدين الحقيقي إلى عدو،ولعلني أتفق مع هذا الرأي والدليل على ذلك أن انتقاد أتاتورك جريمة يعاقب عليها القانون وتقود للسجن ثلاث سنوات على الأقل في حين أن التهجم على الإسلام بل والارتداد عنه ومحاربته بكل الوسائل ليس جريمة على الإطلاق وفقا للقانون!
خلال الأيام الأخيرة تجلى موقف العلمانية المتطرفة في واقعتين الأولى رفع المدعي العام لمحكمة الاستئناف عبد الرحمن يالشينكايا دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية لحل حزب العدالة والتنمية بدعوى تحوله لبؤرة لمناهضة قيم الدولة وتحديدا العلمانية، والثانية الكشف عن تنظيم سري خطط لاضطرابات وأعمال عنف واغتيالات تمهد الأجواء لانقلاب عسكري ضد حكومة الحزب، والواقعتان تصوران حالة الغل و الاحتقان التي وصل إليها العلمانيون المتطرفون،في مواجهة رغبة الحزب وإسلامييه الجدد في التعايش وبناء دولة ديمقراطية وحضارية ومتقدمة حقا وليس بشعارات زائفة وتحت وطأة أبوية قسرية قهرية ،تحشد من الثوابت ما يقتل أي فكر وسلوك حر، يحدث هذا في بلد يتطلع لأن يكون عضوا في الاتحاد الأوروبي في مسعى يمثل أحد أركان الفكر الأتاتوركي التغريبي ، وتلك مفارقة أخرى فالإسلاميون الجدد هم الذين يسعون لتحقيق أحلام الرجل بأن تكون تركيا جزءا من الحضارة الغربية أفكارا وواقعا، والعلمانيون من مريديه وتلاميذه هم الذين يعطلون هذا المشروع!
وأحد مظاهر التعطيل هو رفض الأكراد كمواطنين على قدم المساواة ، والإصرار على صهرهم في القومية التركية أي تتريكهم بالقوة والتعسف ،وهذا وجه آخر لمناقضة قيم الديمقراطية والعلمانية ، وهنا أشير إلى أن الدعوى ضد حزب العدالة والتنمية جاءت بعد أن طرح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان خطة لحل المشكلة الكردية تتضمن منحهم مزيد من الحقوق الثقافية مثل إقامة قناة تلفزيونية باللغة الكردية فضلا عن برنامج تنمية يتكلف مليارات الدولارات ومنح الأكراد الذين تسبق مشكلتهم مع تركيا مجيء أتاتورك للسلطة في أوائل عشرينات القرن الماضي،وقد أدرك أردوغان أن التنمية والحرية هما الوسيلتان الأكثر قدرة على تقليص نفوذ حزب العمال الكردستاني بين الأكراد ،وأنه لا حل عسكريا للمشكلة الكردية.
ومن المدهش أن المدعي العام يالشينكايا استشهد بمقاطع من خطب وتصريحات لقيادات ونواب حزب العدالة والتنمية تطالب برفع حظر الحجاب عن طالبات الجامعات وترى الحظر تقييدا للحريات العامة ، وفسر الرجل هذه الكلمات بأنها تعكس معاداة لمبادئ الدولة وعلى رأسها العلمانية التي تتعامل مع الحجاب على أنه رمز للرجعية الدينية ومعاداة الأتاتوركية ،والأكثر إثارة للدهشة أن هذا الموقف جاء بعد تعديل البرلمان للدستور قبل أسابيع برفع هذا الحظر، حيث توافق حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية على هذا التعديل الذي ما كان ليتم لولا هذا التوافق نظرا لأن العدالة والتنمية لا يملك نصاب ثلثي مقاعد البرلمان اللازم لذلك، ونلحظ هنا تغيرا في التيار القومي بقبول التقارب مع الإسلاميين الجدد،وفي ذلك شيء من الواقعية لأن حوالي ثلثي نساء تركيا محجبات والنسبة ذاتها من الأتراك جميعا مع رفع الحظر الذي خالفه بعض رؤساء الجامعات وعمداء الكليات من العلمانيين المتطرفين،فيما يمثل انقلابا على الشرعية الدستورية وهو نفس موقف المدعي العام يالشينكايا الذي يحظى بدعم غير معلن من الجيش ومعلن من حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ومني بهزيمة تاريخية في الانتخابات التي جرت في شهر يوليو الماضي مقابل انتصار تاريخي لحزب العدالة والتنمية،بعد معركة الانتخابات الرئاسية في البرلمان التي فاز فيها مرشحه عبد الله جول ،وإذا تأملنا سلوك هذا الحزب منذ تأسيسه في أغسطس عام 2001 نجد أنه يقوم على فكرة التغيير الديمقراطي وتحقيق مكاسب بالوسائل الشرعية والاقتراب من الجماهير وتحقيق إنجازات كبيرة.
وأظن أن الحزب في ظل الأرضية الصلبة التي يقف عليها ،أصبح غير قابل للكسر ،فصدور قرار بحل الحزب لن يجهز عليه ، فهو أولا يسعى لتعديل الدستور بحيث يسقط النصوص التي تتيح الحل قبل أن يأتي الحل نفسه ، وثانيا بإنشاء حزب جديد يضم كل أعضاءه الحاليين وهو حل بات دواء لداء الحل في تركيا الذي تكرر مع الإسلاميين والأكراد من قبل، أيا كان الأمر فالتطرف لابد أن يخسر سواء أكان علمانيا أو إسلاميا والديمقراطية تنتصر وهي تكون أكثر صلادة عندما تقترب من
روحانية الشعوب أو عندما يؤمن الروحانيون بها!
|