د. ناصر الشيمي رئيس قسم هندسة الجيوماتيكس بجامعة كلجاري في حوار خاص
حسام عدنان صادق ـ الجزيرة توك ـ كلجاري ـ كندا
لم تكن الفكرة تغادر رأسي .. كنتُ في قمة الحماس والتأهب والاستعداد للقاء واحد من أنجح الشخصيات العربية في كندا .. بل اسمح لي أن أقول .. أنه الأفضل علمياً على مستوى أمريكا الشمالية في مجاله.. وهو واحد من أفضل الناجحين في العالم في تخصصه العلمي!!..
قرأتُ وأعددتُ الكثير عنه قبل أن أبدأ حواري معه .. هو .. الدكتور ناصر الشيمي .. رئيس قسم الجيوماتيكس Geomatics في كلية الهندسة بجامعة كلجاري في كندا .. القسم الأفضل على مستوى العالم في هذا المجال.. ورئيس هيئة كندا للأبحاث العلمية في تخصص (Multi-Sensor System).. وهو كذلك شخصية ناجحة ومتفوقة وذات سمعة طيبة في كندا ..
وهو يعتبر من الشخصيات العربية المرموقة في أمريكا وكندا كونه وصل إلى مرتبة علمية عالية في وقت وجيز وأصبح رئيساً للأبحاث العلمية في كندا بالكامل في تخصصه .. كما أنَّ تواصله العملي والفعال مع وطنه ودعمه له وهو بالخارج يعطيه مكانةً خاصة ..
دوماً حينما تعرِف أن هناك من يُشرِّف العرب والمسلمين في بلاد الغرب .. وتجد انتماءه وخير شبابه يصبُّ في بلده حتى وإن كان بعيداً .. فإنك – وبلا تردد – تتجه نحوه وتقترب منه لتعرف المزيد عنه..
كنت على باب مكتبه في تمام الساعة الثالثة عصراً كما اتفقنا .. خرج للقائي ببشاشةٍ واهتمام .. وبدأنا الحديث أولاً عن الجزيرة توك وعن دورها في نشر الإعلام الشبابي .. وكيف نقلت للناس أخباراً أوقع وأهم من أي قناة عالمية ..
وبعدها كان هذا الحوار:
الجزيرة توك:دكتور ناصر .. أرجو أن تعرفنا بنفسك أكثر ؟
ناصر محمود الشيمي .. مولود في القاهرة سنة 1961م .. نحنُ ثلاث أخوة وأخت .. أنا الثالث .. والأخين أيضاً مهندسين .. وأختي درست المحاسبة .. متزوج وزوجتي مهندسة مدنية أيضاً وعندي بنت واحدة ..
تخرجت من كلية الهندسة في جامعة عين شمس في مصر عام 1984 .. تخصص هندسة مدنية (قسم مساحة) .. وبعد الخدمة في الجيش سافرت إلى هولندا للدراسات العليا في معهد ITCوحصلت هناك على دبلوم دراسات عليا (Post-Graduate Diploma) في الاستشعار عن بعد والـ Photogrammetry واستخدامها في دراسة الزحف العمراني .. وبعدها ماجستير في المساحة الهندسية من جامعة عين شمس سنة 1990..
الجزيرة توك:كيف التحقت بـ ITC في هولندا ؟
في الحقيقة .. هذه الجامعة أو المعهد العالي هو الأول عالمياً في مجال الاستشعار عن بعد واستخدام الأقمار الصناعية في عمل الخرائط أي – كما نسميها - نظم المعلومات الجغرافية .. وكانت دراستي هناك بفضل الله منحة من الحكومة الهولندية ..
الجزيرة توك:جميل .. ولكن كيف حصلت على هذه المنحة ؟ هل بسبب تفوقك فقط أم لديك معارف هناك في الجامعة ؟
في الحقيقة معرفة الأشخاص تساعد كثيراً في هذه الأمور .. فأنا أعرف الدكتور مصطفى رضوان .. وهو أستاذ مصري كان يعمل في المعهد حين ذاك.. وهذا الرجل له الفضل – بعد الله – في كثير من الأمور في حياتي أهمها أنه ساعدني في الإنتهاء من عمل الأبحاث الخاصة بالماجستير في ITC .. وفي الحقيقة لقد انتهيت من كل أعمال الماجستير قبل رجوعي إلى مصر لمناقشته بجامعة عين شمس.
كانت الحكومة الهولندية تعطي مصر في ذلك الوقت منحتين دراسيتين وقد تقدمت وقتها لامتحانات القبول في الجامعة الهولندية وتم قبولي للدراسة هناك .. والحمدلله
الجزيرة توك:ماذا عن كندا ؟ كيف وصلت إلى هنا ؟
عُدتُ أولاً إلى مصر بعد الإنتهاء من دراستي بهولندا .. وبعد ستة شهور بدأت في مراسلة الجامعات .. للحصول على منحة دراسية للدكتوراه .. فكنتُ متحمساً للدراسة .. وجاءني وقتها قبول من 10 جامعات تقريباً .. من أمريكا وكندا وأوروبا .. ولكنني اخترت كلجاري Calgary لوجود مجموعة مشاريع بحثية مميزة فيها لها علاقة بدراستي المتعلقة بتطوير أنظمة المعلومات الجغرافية والأنظمة الملاحية مثل GPS.
الجزيرة توك:رائع .. إذن .. وصلت هنا في سنة 1991م ..وتركت وطنك مصر إلى يومنا هذا .. ولكن السؤال هنا ..إلى ماذا تشتاق في مصر؟
بلا شك .. الأهل والصحبة ..
الجزيرة توك:تقصد أنه هنا لا توجد علاقات اجتماعية كالتي هناك ؟!!
لا .. هنا توجد علاقات اجتماعية جيدة .. وتوجد أسر مصرية وعربية كثيرة في كلجاري .. ولكن أقصد بالصحبة هم وجود كل من تحب حولك طوال الوقت .. تشعر بهم وتتفاعل معهم .. وأيضاً أفتقد الجو العربي والإسلامي .. خاصة في المناسبات الدينية .. كرمضان والعيد .. ومع هذا .. أرى أن الحال قد تحسن في السنوات الأخيرة .. فهناك أنشطة متعددة للجاليات الإسلامية..
الجزيرة توك:هل تزور مصر ؟؟ وكيف تراها كلما تذهب إلى هناك ؟!
نعم .. الحمدلله أنا أزور مصر ما لا يقل عن مرة في السنة .. بل أحياناً تصل إلى 3 مرات في السنة.. وأزور أهلي ووالدتي على الأخص ولكن في الحقيقة ابنتي هي السبب الرئيس الآن لسفري المتكرر لمصر.. فأنا أحاول دوماً أن أجعلها موصولة ببلدها وأقاربها ..
أما عن مصر .. فكلما أذهب أرى تغيرات كثيرة .. منها للأفضل ومنها للأسوأ .. مثل أي مكان في العالم .. ولكن أنا أذهب هناك للتواصل مع والدتي وأخوتي وأصدقائي .. وحتى ابنتي التي تجد في جيلها الكثيرين من أبناء أخوتي وأقاربنا .. وهي في الحقيقة تطلب دوماً الرجوع إلى هناك وترك كندا .. لأنها تجد هناك الجو الاجتماعي الذي تحتاجه وترتاح إليه ..
الجزيرة توك:بعيداً عن مصر .. هنا في كندا .. ماذا قدمت لك الغربة ؟؟ وماذا أخذت منك ؟
أولاً وبدون شك .. هي الدراسة.. والهدف الذي خرجتُ من أجله .. هذا أول وأهم شيء قدمته لي الغربة .. لأنه وبصراحة .. البلاد الغربية وكندا على وجه الخصوص تساعدك في التركيز فقط على الدراسة .. فهي تُخلِّق لك البيئة التعليمية التي لا يُشتتك عنها أي منغص ..
فبالمقارنة مع الدراسات العليا في مصر مثلاً .. تجد الطالب هناك يتعرض للكثير من المشتتات والمهام الإضافية التي تؤثر على تركيزه في الدراسة ..
كما أنَّ التعليم والبحوث العلمية هنا مرتبطة جداً بالصناعات والنهضة الصناعية .. وفي كثير من الأحيان يمكن أن يطبق البحث العلمي ويستخدم على أرض الواقع عن طريق الشركات مما يعود بالفائدة المادية ليس فقط للجامعة ولكن أيضاً للباحث سواءاً كان أستاذاً أو طالباً.. وهذا ما يفتقده العالم العربي بشكل عام .. الربط بين البحث العلمي والصناعة وكذلك وضع الحوافز المادية سواءاً للأفراد أو الجامعات أو الشركات التي تشجع على البحث العلمي.
وعودةً للسؤال .. الغربة علمتني الكثير من الأمور التي طورت من شخصيتي ومن الاعتماد على نفسي..
أما عن ماذا أخذت مني .. فالبعد عن الأهل هو الشيء الأساسي الذي أخذته مني غربتي في كندا .. ولكنني أحاول قدر الإمكان أن أقلل من هذا الشيء بزياراتي المستمرة لمصر..
الجزيرة توك:دكتور ناصر .. أنت تحمل الجنسية الكندية منذ وقت طويل .. كيف تقدم نفسك للكنديين في مؤتمر أو في أي عمل ؟؟ كندي فقط .. أم كندي من أصل مصري ؟
ربما تلاحظ في كل محاضراتي أو بحوثي توجد اسم جامعة عين شمس في قسم التعريف بي وحصولي على درجة البكالوريوس والماجستير منها.. وهذا يدل على أصولي بالتأكيد.. كما أنَّ اسمي (ناصر) لا يمكن أن يكون لكندي.. فكل الناس عندما تقابلني تكون على علم بأني من أصل مصري أو عربي على الأقل.
الجزيرة توك:لو لم تغادر مصر، أو لو أنك رجعت إليها بعد الدكتوراه مباشرةً .. هل تعتقد أنك كنت ستفيد بلدك أكثر ؟
من الناحية العلمية ؟!! ..لا أبداً .. كنتُ سأفيدها على المدى القصير فقط ولكن وجودي هنا فادها على المدى الطويل أكثر .. وذلك بفضل الله طبعاً .. وعلى سبيل المثال في 2001 أقمتُ مؤتمر بالتعاون مع جامعة عين شمس.. كان من أكبر المؤتمرات التي أقيمت في مصر من حيث عدد الباحثين والمنظمات العالمية التي شاركت من أنحاء العالم .. وأذكر أنَّ رئيس جامعة عين شمس وعميد كلية الهندسة في ذلك الوقت قالا لي أنك فعلت شيء لم يفعله أحد من قبلك ! .. أقصد في مجال المؤتمر ..
الأمر الآخر .. منذ بداية عملي هنا .. وفرت منح دراسية لحوالي 6 مصريين وهذا يوفر على مصر ما يقرب المليون دولار .. كما ساعدت ما يقرب من 10 طلاب مصريين وعرب آخرين في الحصول على منح دراسية في جامعة كلجاري في مجالات أخرى.. كما أنّ الاتصال الدائم بأصدقائي الأساتذة في مصر ومدهم بأحدث البحوث العلمية والمعلومات التي تجعلهم على إطلاع بكل ما هو جديد في هذا العلم .. هو جزء من محاولاتي لمساعدة بلدي..
وأخيراً .. قمت بإعطاء عدة محاضرات علمية في مصر وإتاحة فرص لكثير من زملائي في جامعة عين شمس ليقدموا أعمالهم ومحاضراتهم هنا في الجامعة مما جعل الترابط بين الجامعتين شيء حقيقي وملموس ..
هذه الأمور وغيرها لم تكن لأقوم بها لو كنت في مصر .. ولعل الله سخرني لذلك وجعلني سبب لأفيد بها نفسي وبلدي ..
الجزيرة توك:كيف تقيم العملية التعليمية في كندا؟ هل تنصح أي أحد بأن يقوم بالدراسات العليا هنا ؟
نعم .. بالنسبة للدراسات العليا .. نعم بلا شك .. فكما أخبرتك سابقاً .. الطالب هنا يكون في قمة التركيز .. ولا مشتتات خارجية تحول دون تلقيه أفضل العلوم .. وأحدثها .. ولا شك أن مجرد الغربة والاعتماد على الذات يصقل من شخصية أي شاب ..
الجزيرة توك:ماذا عن الدراسة الجامعية ؟ أنا هنا طالب .. وأجد أنَّ مستوانا كطلاب من البلاد العربية أفضل بكثير من الطلبة الكنديين .. كيف ترى ذلك ؟
أؤيدك تماماً .. كثيراً ما ألاحظ تميز الطلاب العرب عن الكنديين في مستواهم ومعرفتهم .. وبالذات أراها في مواد الهندسة المدنية والكمبيوتر.. ولكن لا تجد منهم من لديه خلفية ولو بسيطة عن الجيوماتيكس .. لعدم وجود برنامج لهندسة الجيوماتيكس في بلادنا ..
الجزيرة توك:جميل .. هل اختلفت جامعات كندا منذ وصولك إلى هنا منذ 17 سنة إلى الآن ؟ وما هي أوجه الاختلاف والتطور ؟
بالتأكيد .. هناك اختلاف كبير .. ويعود ذلك في رأيي إلى زيادة الاهتمام بالأبحاث العلمية .. وربطها بالصناعات والتطور اليومي للبلد ..
والجميل .. أنَّ أي فكرة جديدة أو بحث علمي ناجح يتم إضافته فوراً إلى الكتب والمناهج في الجامعات .. وهذا ما يجعل الطلبة يتلقون أحدث العلوم دوماً .. ولكن للاسف هذا لا يحصل في جامعاتنا .. بسبب غياب الابحاث العلمية ..
ولكن التعليم في المدارس في كندا .. وبالذات من البداية إلى الصف التاسع .. ضعيف ولا يعطي الطالب المعلومات الأولية والأساسيات اللازمة له كي يكون مستعد للجامعة مما يجعل بعضهم غير قادر على الالتحاق بالجامعة ..على عكس المدارس في بلادنا العربية .. التي تجعل الطالب متمكن في مواد كالرياضيات والعلوم بشتى أقسامها .. وهذا حقيقةً ما أشفق به على ابنتي ..
الجزيرة توك:قسم الجيوماتيكس هو الأول على أمريكا وكندا ؟ والثاني بعد جامعة في ألمانيا عالمياً ؟؟ حدثنا عن ذلك وكيف أصبحتْ في المقدمة ؟؟
الحمدلله .. هو لم يتم إعلان ذلك بشكل رسمي ولكن القسم هنا يعد قبلة العالم في هذا التخصص .. وذلك التفوق كان لعدة أسباب .. أهمها وجود النفط والغاز في كلجاري .. الذي فجَّر صناعات كثيرة أدت إلى وجود كلية هندسة قوية .. ومنها قسم الجيوماتيكس الذي يهتم بالمساحة وجيولوجيا الأرض وحتى طرق اكتشاف النفط والغاز..
وقد بدأ هذا القسم عام 1979 تحت مسمى (Surveying Engineering) أي الهندسة المساحية .. وكان ضمن الهندسة المدنية .. وفي عام 1982 أصبح قسماً مستقلاً .. وأخيراً في عام 1991 تغير الاسم إلى (Geomatics Engineering) ..
الجزيرة توك:منذ البداية ونحن نتكلم ونذكر كلمة Geomatics..كيف يمكن لنا أن نعرفها بالعربية كي تكون مفهومة للجميع ؟
الكلمة مقسمة إلى جزئين .. الأول (Geo) وهي اختصار لكل علم له علاقة بالأرض .. والثاني (Matics) وهي مشتقة من (Mathematics) أي الرياضيات .. لذا يمكننا أن نترجمها سويةً إلى علوم ورياضيات الأرض .. أي كل ما يختص بالأرض وطبقاتها وحتى الفضاء الذي حولها ..
الجزيرة توك:فهمت من كلامك دكتور ناصر .. أن لديك مجموعة من الطلبة العرب وعلى الأخص مصريين .. كيف تراهم أكاديمياً ؟ وهل ينقصهم شيء معين ؟
نعم فعلاً .. منذ بداية عملي كأستاذ جامعي إلى الآن.. أي حوالي 10 سنوات .. كان عندي حوالي 7 طلاب .. والآن معي 4 .. ثلاثة منهم طلبة دكتوراه وطالبة واحدة ماجستير ..
أما عن رأيي فيهم أكاديمياً .. فكما قلتُ لك سابقاً .. لا يوجد قسم كهذا في جامعاتنا العربية .. فالطلبة لم تدرس الكثير من أساسيات هذا العلم .. لذا فهم يحتاجون إلى الكثير من المواد الإضافية كي يُعدّوا إعداداً جيداً للحصول على الشهادات العليا .. ولكن بشكل عام هم طلبة متميزون وبعضهم يعتبر من أفضل الطلبة في هذا القسم .. ومنهم من حصل على جوائز علمية على بحوثهم..
ولكن في الحقيقة ينقصهم الكثير في مجال البرمجة والإدارة .. إدارة الوقت على وجه التحديد .. فكثير من المشاكل التي نتعامل معها في مجال دراستنا تحتاج لمهارة البرمجة ومهارات الإدارة بشكل عام .. وهذا ما أشجع عليه طلبتي دوماً .. أن يقرؤوا ويطلعوا أكثر في هذين المجالين المهمين ..
ولا تنسى أن القسم يقبل الطلبة من تخصصات متنوعة ومختلفة وليس كباقي الأقسام الهندسية .. فتجد طلاب شهادتهم الجامعية (البكالوريوس) من هندسة مدنية ومنهم من إلكترونية ومنهم من جيولوجيا .. فلابد أن يحصلوا أولا على كل المعلومات الأساسية التي يحتاجونها لتحصيل شهادتهم العليا ..

الجزيرة توك:خطر ببالي سؤال الآن.. لم أكن قد أعددته قبل لقائنا .. كيف يمكنك أن تتابع كل هؤلاء الطلبة .. وهم حوالي 13 بالعرب وغير العرب .. وتقدر أن تتابع أمور القسم الإدارية والعمل خارج الجامعة .. وأسرتك .. وغيره ؟!!
(بعد ابتسامة) .. في الحقيقة الأمر في غاية الصعوبة .. حتى أنني أشعر بتقصير شديد تجاه الطلاب منذ تولي إدارة القسم .. فلا اجتمع بهم سوى مرة في الشهر .. ولكنني على تواصل يومي معهم عن طريق الانترنت والرسائل الالكترونية .. والحمدلله هم متعاونون وملتزمون وهذا ما يُسهِّل عليَّ الأمر قليلاً ..
أما عن وجود هذا العدد معي من الطلبة .. فيرجع لوجود دعم مالي كبير يُدفع لي كوني رئيس البحوث العلمية في كندا للدورة الثانية (كل دورة خمس سنوات) .. فأجعلها في جلب طلبة أكثر.. وهذا الدعم بالمناسبة يزيد كلما زادت البحوث .. فالبحوث تدعم الصناعات وأصحاب الصناعات يدعمون بدورهم البحوث .. وبالمناسبة أصحاب الصناعات التي تعاملت معهم من خلال بحوثي هم من عدة دول .. هناك من كندا وأمريكا وألمانيا وفرنسا وانجلترا والصين..
الجزيرة توك:هل تحب عملك ؟ هل تستمتع به ؟؟
(مع الضحكة) .. عندي مشكلة .. أحب عملي أكثر من اللازم .. هذا ما تقوله زوجتي في الحقيقة .. ولكن في الواقع هذا شيء مهم .. فإن لم تحب عملك لن تُخلِص له ولن تتفوق فيه .. ومنذ طفولتي وأنا أرغب في أن أكون أستاذ جامعي في كلية الهندسة .. ربما لأخي الكبير .. وهو مهندس أيضاً .. دور في هذا .. فوالدي متوفي منذ أنْ كنت في عامي الأول .. ووالدتي من اهتمت بتربيتنا وحدها .. فكنت دائماً وبعد كل مرحلة تعليمية أجدد هدفي في نفسي وأخبر به أهلي أنني أريد وبشدة أن أكون مهندساً وأستاذاً في الجامعة .. والحمدلله تحقق الحلم ..
الجزيرة توك:هل تعتقد أنَّ هذا كان هو العامل الأساسي في تميزك عن غيرك هنا ؟ أم أن هناك عوامل أخرى مهمة ؟
طبعاً كان هناك عوامل أخرى بعد توفيق الله.. مثل الجو الأكاديمي هنا الذي أضاف لي الكثير .. ولكن الدافع الحقيقي هو رغبتي الحقيقية والشديدة في الوصول لهدفي الذي رسمته منذ الطفولة .. قال تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) ..
ولا يخلو الطريق نحو النجاح من مصاعب ومتاعب .. ولا يوجد نجاح من دون مراحل فشل تسبقها لتتعلم منها وترتقي .. ونصيحتي دوماً للشباب أن يجعل هدفه أمامه ويتحفز بكل الوسائل الممكنة وأن يستفيد من أخطائه وأخطاء من حوله ..
الجزيرة توك:دعني أعود لمصر ونحن نقترب من النهاية .. هل ستعود يوماً إلى هناك ؟؟ ومتى وكيف ترى عودتك ؟
صدقاً .. موضوع رجوعي إلى مصر أفكر فيه بشكل كبير .. ودائماً ما اسأل ماذا يمنعني من العودة الآن ؟ ويكون جوابي هو البيئة المحيطة بي هناك .. هل ستساعدني في إكمال مشواري ؟ هل المقومات الموجودة في بلدي الآن تسمح لي بالتطور والتعلم أكثر .. أم الأفضل أن أبقى هنا فترة أطول وأحاول مساعدة بلدي من هنا ؟؟
لا شك أن ابنتي هي من أهم الاسباب التي تجعلني أفكر في الرجوع يومياً .. وأنا أخطط أن أدخلها جامعة في مصر وليس هنا .. أريدها أن تكبر بين أهلها وفي بيئتها الأصلية ..
ودعني أقول شيئاً .. قد تكون دعوة أو أمنية ..
إذا بدأ الاهتمام أكثر بالبحوث العلمية .. وبدأ الدعم المادي يأتيها من كل مكان وخاصة الصناعة في بلادنا العربية .. ستجدني هناك من اليوم .. إذا استثمرنا العقول العربية الممتازة في بلادنا – ومن هذه العقول كثير – ستجدني هناك أمد يد العون .. ليس أنا وحدي .. بل كل العرب المغتربين .. كلهم سيعودون دون شك .. ولكن وفِّر لهم البيئة المناسبة لعقولهم واستثمِرها..
الجزيرة توك:في نهاية حوارنا دكتور ناصر.. هناك سؤال أخير.. ودعني أسأله بالعامية المصرية.. "هو في أمل يا دكتور" ؟؟
(ضحك الدكتور ناصر كثيراً) .. طبعاً في أمل .. بس في ايه بالزبط ؟ (بالعامية)
دعني أتكلم في مجالي .. فلكل مجال متخصصوه .. في المجال التعليمي .. أرى أن الأمل موجود .. وأنَّ هناك دول عربية وبالذات خليجية بدأت في الاستثمار الحقيقي في التعليم .. وأصبح هناك من يعرف قيمة التعليم وأنه هو الذي يضمن الحياة الكريمة للأمم .. وابحث معي .. فلن تجد أي دولة من الدول العظمى في العالم إلا ومتقدمة علمياً .. إذاً العلم كان أساس في بنائها وقوتها ..
الجزيرة توك: في النهاية .. أود أن أشكرك أستاذي الفاضل .. وكان لنا الشرف بلقائك هنا والتحدث إليك .. أتمنى أن توفق وأن تعود قريباً إلى وطنك الذي بلا شك يفخر بك.. لك منا ألف تحية ..
خرجتُ من مكتبه سعيداً بهذا الحوار ولكن .. ما لفت انتباهي وأوجعني أيضاً .. أنَّ لا شيء يجعل أستاذاً متميزاً كهذا يتغرب عن بلده وموطنه كل هذه السنين إلا احترام الغرب لإمكاناته ولأنها وفرت له البيئة المناسبة لتنمية هذه الإمكانات ..
إذن .. هي احترام وتقدير .. وهي بيئة خصبة لعقول مهاجرة تبحث عن من يُغذيها باستمرار ..
لم أدخل مكتبهُ كي أنقل لكم كلاماً أدعوكم به إلى الهجرة .. ولكن – ويشهد الله – دخلتُ هناك كي أُكرِّم واحداً من الأشخاص الذين يستحقون التكريم .. وكي أُخبركم أننا قد نعيدهم إلينا .. لو أردنا ذلك ..
|
فمثلك هو مثلناواملنا فى نهوض تلك الامه
وتقبل الله منك عملك وجعله فى ميزان حسناتك - وجعله الله عملك الذى لاينقطع