|
حسين دلي ـ الجزيرة توك
ليس من الغريب أن يصر الرئيس الأمريكي على ما وصفه بالنجاح بعد غزو واحتلال العراق ،إذ أن مفهوم النجاح يختلف باختلاف العقيدة والإستراتيجية التي يتبعها الرئيس الأمريكي وفريق إدارته عنها عند العراقيين وهم الذي يصلون تباعاً وإسراراً إلى العراق في محاولة لشحن الإرادة المنهزمة لجنودهم.
وليس من الغريب أن تسكت حكومة المنطقة الخضراء عن إصدار بيان واحد في الذكرى الخامسة لمأساة الاحتلال بل وتمضي غير عابئة لمصائب ملايين العراقيين ،في الوقت الذي لم يمر هذا اليوم دون أن يكون للكثير من الشخصيات والهيئات الوطنية والعالمية مواقف مناهضة لقوات الاحتلال وفضح ممارساته. كل هذا يؤشر على مدى التكالب المحموم الذي يبديه أركان السلطة الحالية في العراق على رفض خروج القوات الأمريكية من العراق بل والتوقيع على اتفاقية طويلة الأمد تكفل لهم البقاء أطول فترة ممكنة ..
كل الأطراف السابق ذكرها تواجه بمعارضة شعبية كبيرة وحتى رسمية ضد مخططاتها فالإدارة الأمريكية تواجه معارضة نحو 70% من الشعب الأمريكي للحرب في العراق التي تكلف نحو25 مليار دولار شهريا وتبعاتها فضلاً عن معارضة الحزب الديمقراطي بل وفئات من الحزب الجمهوري ( وإن كنا لا نعول عليهما) بجانب الهيئات ومنظمات المجتمع المدني التي لا تنفك تتظاهر ضد مخططات الإدارة الأمريكية.
أما إدارة الحكم الحالية في العراق فإن معارضيها ومنتقديها أكثر من أن يحصون فهم من كل الطوائف والأعراق والنخب سواء كانوا من الشيعة أو الأكراد أو السنة والمتابع للشأن العراقي يعرف مدى الرفض الشعبي من العشائر العراقية والنخب المثقفة لأدوارهم ،فانتفاضة عشائر الجنوب مؤخراً ضد النفوذ الإيراني والأحزاب التي تدور في فلكه الذي وصل إلى مدىً زكمت منه الأنوف شاهد على ذلك.
وكذا الحال ضد دكتاتورية الطلباني والبرزاني التي شوهت سمعة الشعب الكردي وصادرت رأيه وثروته التي يسعون للتعاقد مع أية شركة تكفل لهم حصة الأسد منها برغم المعارضة التي يلقونها من حامي حمى النفط العراقي حسين الشهرستاني!!! . ويشبه البعض الاستبداد والقمع الذي يتمتعان به بقمع النظام السابق بل وأشد ويشهد لذلك ما ذكره أرشد الزيباري أحد وجهاء العشائر الكردية الذي فضحهم على الملأ .وتشهد مدينة كركوك التي عرفت تنوعاً قل نظيره مشاكل عديدة من سياساتهما.
أما الأطراف السنية الموافقة لهم فلا تختلف عنهم في مدى الكره والانتقادات التي يلاقونها على خلفية محاولتهم الانخراط في الإدارة الحالية للدولة العراقية وتشريعهم القوانين في ظل الاحتلال برغم ما يحاولون إظهاره من الحرص على مصالح فئتهم.
فضلاً عن الرفض لحجم الطغيان والفساد في الوزارات ومنهجية القتل والاعتقال التي تسلكها قوات الأمن التي أودعت نحو مائة ألف عراقي رهين السجون ناهيك عن ثلاثين ألفاً آخرين عند قوات الاحتلال ،بل وذكر آخر تقرير دولي إن وزارة الكهرباء العراقية انتقدت وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني لعدم تجهيزها بالنفط لتشغيل شبكات الكهرباء خاصة في محافظات وسط العراق وإصرار وزارة النفط على تصدير أغلب ما تنتجه آبار النفط في مناطق الجنوب ،ويعرف الكثير أين تذهب أموالها في ظل انعدام الخدمات والمشروعات الوهمية التي توزع على مقاولين وهميين أو لا ينفذ من المشروع إلا بناء هياكله ،ويذكر تقرير دولي آخر إن حجم ما تهربه الجماعات الصغيرة التي تمتهن بيع النفط إلى مهربين في الخليج بتسهيلات إيرانية بنحو 15 مليون دولار يومياً، والكل ينظر الآن للصراع الذي يدور في المحافظات الجنوبية خصوصا في محافظة البصرة إذ تسعى التيارات الثلاث المتنازعة في المدينة وهي حزب الفضيلة الذي ينتمي له المحافظ وتكتل المجلس الأعلى وحزب الدعوة الذي يقود الأجهزة الأمنية والدوائر الحكومية والتيار الصدري الذي يقود جماعات من المسلحين تحاول السيطرة على الشارع البصري ،يسعى الكل إلى السيطرة عليها بكل الوسائل .

الفصائل المسلحة والهيئات والجماعات المعارضة للاحتلال التي ظلت رقماً عصياً على المداهنة والانجرار وراء مشروعات التقسيم والانسلاخ والتي كسرت هيبة الولايات المتحدة وجبروتها العسكري، أصابها وللأسف شقاق من ناحية لجوء بعض المحسوبين عليها إلى قتل الأبرياء ونكوص قياداتها عن عملية النقد الذاتي ومحاسبة المخطئين مما لوث مسيرتها المفعمة بمنازلة المحتلين وأذنابهم، وإضاعة آخرين للبوصلة وارتمائهم بأحضان غير شرعية وانخراطهم بتشكيلات سُلِم قيادها إلى أناس عرفوا ببيع ذممهم وملاحقة أبرياء آخرين ، ومن ثم دخل الطرفان بصراع داخلي دموي كان الاحتلال وتابعوه المستفيدون جراءه .
فالوضع الحالي وإن شهد رخاء أمنياً مزعوماً ارتضاه المسحوقون من ضيم نحو عشرين سنة ماضية زادتها السنوات الخمس الأخيرة أضعافاً من المعاناة وصلت إلى حد الطحن،إلا أنه بجهود القائمين عليه منح الاحتلال بدنانير معدودة من ثروة العراق ما لم يكن ليحلم به ولوحق الرافضون للاحتلال ونكص البعض من سالكيه عن خط الاستقامة الذي انطلقوا منه.
يأمل البعض ممن لم يدخل المناكفات والصراع (وإن كنا نرى أنهم تأخروا بالحل والنصح ) من المنصفين في الطرفين الذين انجروا وراء تبريرات ضغط الواقع أن يفيقوا من غفوتهم وأن يطهر كل منهم صفه من الدواخل والشوائب التي غطت على الخيرية التي يحملونها ، والكل خاسر إن لم نتدارك أمرنا.
وأن يجعلوا من مآسي نحو مئات الآلاف من الشهداء ونحو مليون أرملة ونصف مليون معوق ومشوه وغياب آلاف الأساتذة والأطباء بالاغتيال والتهجير وضياع المليارات من ثروات العراق ضوءاً أحمراً أمام انجرافهم في غي المشاريع التي لا تعطي لأهل الإنصاف والوسطية حقهم من الريادة .
كلنا يقين بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الاستبداد واستشارة المخلصين وإن لم يكونوا في صف البعض سينجي من المأساة التي طال ليلها، واستذكار مشهد السنوات الخمس بكل تفاصيله بروية وتبصر قد يجعلنا نعيد تصور أولوياتنا في المرحلة القادمة.
|