|
19/03/2008 |
|
عارف حجاوي ـ الجزيرة توك
الشاعر تميم البرغوثي قال قصيدة قعد فيها بين كرسيين واضطرب ما شاء له. يبدو أن السلطات قالت له: مالك ولمصر. أنت فلسطيني. فقال شاعرنا قصيدته، وجاء فيها:
قالوا لي بتحب مصر فقلت مش عارف
لكني عارف بإني إبن رضوى عاشور
أمي اللي حَمْلَها ما ينحسب بشهور
وهذا السطر الأخير كلام مرهق لا يستريح حتى لو جاءت بعده آية الكرسي. والقصيدة كلها متعبة في فكرها. وإن كانت في صنعتها مشمخرة كذلك الشعر الذي أسمعناه الرجل في التلفزيون. ويذكر البرغوثي أباه أيضاً، ويتحدث عن مصر حديثاً كله حب وانغراس في هذا التراب العربي، الخ. لكنه يحكي مع نفسه، ويعالج في رومانسية سمجة موضوعاً وسخاً هو موضوع انحلال العرب إلى قبائل.انتسب إلى أبيك يا أخي!
واحمل فلسطينيتك على ظهرك وامش بها. هذه الهوية هي رأس الحربة في حرب ضروس يخوضها العرب والمسلمون والفقراء ضد من تبقى من البشرية.
سنتفتت كثيراً قبل أن نجتمع.
قد رأيت فلسطينيين كثراً ممن حملوا جواز سفر عربياً أو أجنبياً يلبسون فلسطينيتهم ويخلعونها حسب الظرف. رأيت شفيق الحوت، ممثل المنظمة في لبنان عشرات السنين، رأيته في مذكراته يروح في فلسطينيته ويجيء لأن أباه كان لبنانياً. حتى الحوت، بنضاله واستقامته، لا أقبل منه أن يجامل في فلسطينيته. ورأيت أيضاً لبنانيين وغير لبنانيين اعتنقوا.
قضية فلسطين دين سماوي رابع لا أغفر لمن نزل فيهم أن يتلجلجوا في قبوله.
فاهم أنا إياك يا تميم البرغوثي، أنت تربط في قصيدتك بين العروبة كلها ربطاً عضوياً، وتدعو إلى تسخيف الاستمساك بالسدود، التي تسمى أحياناً حدوداً، فيما بين بلاد العرب. لكن القصيدة بذرة، والبذرة كل شيء. وبذرة قصيدتك فاسدة. وأما بيت الحمل وشهوره فمن سقط المتاع.
قضيت خمسين سنة أبشر بأن الإنسان إنسان وكفى. أتعجب من هذا العالم كيف حشرني في قنينة وأفهمني بكل طريقة ممكنة أن الفلسطيني لا يليق به أن يتصف بأي شئ آخر، وغير مقبول قربانه على أي مذبح آخر.
كن مسيحياً، كن مسلماً، كن لبناني الأب مصري الأم، كن ما تشاء، فإذا ثبت أن لك بفلسطين أدنى صلة فلا تقبل بهذه الصفة بدلاً. هذا درس علمتنيه الأيام بالعصا. وتعلمت أيضاً ألا أكون عنصرياً وألا أكون إقليمياً.
ووالله لقد راجعت ما سلف من هذا المقال عشرين مرة قبل أن أرسله، كل ذلك حتى لا تكون فيه جملة تفسر على أنها تفضيل للهوية الفلسطينية على غيرها. ذلك – ورحمة أبي – ليس قصدي. كل ما أريد أن أقوله للفلسطيني: أحمل دستة جوازات السفر التي أمكنك الحصول عليها في جيبك، واحمل فلسطين في قلبك، فهي تحتاج إليك. الفلسطيني الذي يترك فلسطين في محنتها هو كتلك المرأة التي تم تهجيرها قبل ستين سنة تحت فوهة البندقية فركبت المركب وعندما أصبحت في عرض البحر اكتشفت أنها نسيت ابنها الرضيع. صارت.
|