تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
ثقافة المقاومة كمظلة جامعة -4 طباعة ارسال لصديق
23/02/2008
الفــراعنة
أكرم الإمام ـ الجزيرة توك
ماذا أراد الرئيس السادات بهذه الوثبة الثانية باتجاه المجهول ... ماذا أراد.. ؟؟
هل أن الرجل لم يدرك حجم المقامرة ...المجازفة ...؟ لماذا كان مصراً وواثقاً هكذا...؟ لماذا لم يخضع لهذا الخوف المجهول ولم يستمع إلي نداءات وتحذيرات الأشياع والأتباع....؟
لماذا أراد أن يفتح علي المصريين كل هذه الأبواب وأن يشرعها أمام الرياح العاتية...؟ ألم يكن يدرك حجم العاصفة التي تتشكل خارج البيت الذي استسلم أهله لدفء الانتصار وبدءوا بعقلية من لم يتعلم درس التاريخ في إنتاج الشعارات (والشعارات أُطر إن لم تحوي عملاً فنياً مبدعاً وخلاقاً أعتقد المثقف بمرور الأزمان أن إنتاجها هدف في حد ذاته )...

الم يخشي أن سكان البيت ربما لا يملكون الخبرة أو القدرة علي التعامل مع هذه العاصفة الهوجاء الخافية بين أجنحتها ودواماتها أنياب الضباع والذئاب .

لا أعتقد أن الأمر كان يخفي علي الرجل , فهذا افتراضٌ لا ينسجم البتة مع ملامح شخصيته التي عاقرت أخطاراً مختلفة الدرجات والأنواع , كان يندفع باتجاهها وقد حمل في جيبه خارطة الهجوم وفي الآخر خارطة المناورة والانسحاب .

( مازال المصريون يختلفون حول دور الرجل الحقيقي في ثورة يوليو )
لاشك انه كان بإمكان الرجل أن يحيا يقتات علي مأدُبة نصره الأول سنين عديدة وأعماراً مديدة . أليس هذا ديدبان من عاشوا محمولين علي الأعناق يمنون علي شعوبهم بانتصارات هزيلة إذا ما قورنت بهذا الانتصار..؟ , الم تعطهم هذه الانتصارات الزائفة الحق في أن يفتحوا أبواب الجنان وأن يسعروا قيعان الجحيم وأن يخرجوا علي الناس في زينتهم هاتفين في جموعهم بصوت صفيحيٍ مهيب " إنما نحن من نهديكم سبل الرشاد " , فتخر الجموع سُجداً طمعاً في الجنان أو خوفاً من الجحيم الم يكونوا آلهة وأنبياء ...معلمين وأولياء...قضاةً وأدعياء...؟ .

فما ضر الرجل إن رضي بهذا المجد .

مجدٌ تتوجه جنازات علي رأسها خيلٌ تتراقص مستنفرة علي ظهورها فرسانٌ تلمع أسنة سيوفهم كسنا البرق يخطف الأبصار فيما تعزف موسيقي النحاس لحن الوادع بإيقاع احدي وعشرين طلقة في وجه الموت الذي خطف عظيم الأمة ووليها حكيمها وقائدها ودليلها , ويمتلئ المشهد بجموع هادرة كالموج خرجت صارخة تشق الجيوب وتلطم الخدود وتتمرغ بين العويل والأنات كأن بها مس....!
مشهدٌ رهيب مهيب لا تملك نفسك إذاه إلا أن تتساءل...علام يبكي هؤلاء الناس...؟

وتتملكك الحيرة فتعاود قراءة التاريخ... وتفتح الملفات... وتتأمل الأزمنة... وتقاوم الغرق في بحور المزايدات والموت اختناقاً تحت ثقل ووطأة الشعارات , ...فتخرج وقد ازددت حيرة وعاد السؤال يدق رأسك بمطارق الغضب ..علام يبكي هؤلاء الناس ...؟ علام...؟

هل هو بكاء العبيد علي فقد سيدهم وولي نعمتهم ...أم بكاء الأطفال علي فقد أبيهم وراعي مصالحهم ...أم بكاء المحب علي فقد حبيبه ... أم بكاء المريض علي فقد طبيبه...؟
وتعاود مراقبة المشهد مرات ومرات علك تثبر أغوار هذه النفس الجامعة لهذه الحشود الخاضعة لسهام الحزن المترصدة.

ولكن انتظر قليلاً .... أوقف المشهد ...عد قليلاً إلي الوراء ...أوقف الصورة....هل تستطيع أن تكبرها قليلاً ... أكثر ... أكثر ...إلي الوجوه ...إلي الوجوه ...انظر ما هذا ...يا إلهي ...لا يبدو لي هذا حزناً أبداً...لا..لا...ليس بحزن ...انه صراخ....صراخ يمزق نياط القلوب ...صراخ علي عمر ضاع وأحلامٍ وئدت ...صراخ في وجه الضياع والتيه القادم ...( تيه يلي تيه يتبعه آخر ).

إنها أشبة بحفلات البكاء الجماعي تلك التي تفرغ القلب قليلاً من أثقاله وأسقامه بالقدر الذي يسمح له بنبض ضعيف يمد في عمره قليلاً حتى حفلة بكاء تالية ..

وبين البكاء الوقور والنياحة المفزعة والصراخ الطارد للأشباح والعفاريت يُحمل النعش المبجل إلي مثواه الأخير ...؟؟

فإذا ما تمت مراسم الدفن عاد الناس إلي أشغالهم ويوماً بعد يوم تبهت الذكري حتى لا يبقي لها من اثرٍ في القلوب إلا قلوب أولئك الذين ارتبط وعيهم بوعي الراحل ولم يبقي لهم إلا خيوطاً رفيعة دقيقة من ثوب انتصاره - رديء الصنعة – يتشبثون بها علها تنقذهم من السقوط في قعر الظلام والنسيان.فما ضر الرجل إن رضي بهذا المجد...؟؟

أم أن روح الفراعنة تلبسته فأراد نصراً لا يرام ومجداً لا يزول وان كان .. فليس هذا له بطريق وليس هذا له بمجد , وفي ظني أن الرجل لم يكن احمق أو غبي ولم يكن حالماً أو رومانسي ...فماذا أراد؟

كانت هزيمة 67 كجرح أحدثته شفرة حادة فهي تغوص عميقاً دون ألمٍ ظاهر ولكن ما أن يبدأ النزف حتى تخور القوي شيئاً فشيء فإذا ما أسعف الجرح سريعاً وهو ما حدث بعد ست سنوات التأم الجرح ظاهراً ولكنه بقي ينكي بألم محرق عميق يقد مضاجع الثوريين خاصة في ليالي الشتاء الباردة والعاصفة حين تهجم الذكري لتنهش بأنيابها الحادة فؤادهم وتلقي علي أكتافهم مسئولية حمل ثقيل .

وكان المصريون يعيشون اسري قبة زجاجية هائلة وشفافة يبصرون في سقفها انعكاس صورة السماء الحقيقية ولاتصل
 
إليهم فيها رياح الحرية الطبيعية ولكنهم كانوا يصيحون داخلها جزلين ومخدوعين تحيا الحرية..!!

لقد هشم الرئيس السادات هذه القبة الزجاجية بقصد أو بدون... بإرادته أو مستخدماً من قبل حقيقة قدرية وضعت المصريين أمام اختبار الحكمة الصعب , تلك الحكمة التي هي مزيج فريد بنسب دقيقة بين ( المُثل والمتاح...والقيم والتطبيق ), صنعة فنية مدهشة ولكن المصريون لم يكن لهم باع طويل في معاملها.

مات الرئيس السادات , وكان مشهد موته خليقاً- لولا الهرج الذي أصاب أهل المنصة – أن يكون مشهد نهاية دراماتيكي بديع الإخراج لحياة الرجل نهاية أشبة بالتراجيديات الشكسبيرية أو الملاهي اليونانية القديمة لحياة مثيرة غنية ومليئة بالأحداث والإثارة .
مات في ذكري يوم انتصاره الحقيقي وبين جنوده – أو أولاده كما كان يحب أن يطلق عليهم – والذين طالما تغني ببطولاتهم.


كان جميلاً ....جميلاً جداً في بزته العسكرية الفريدة بابتسامة استسلام ورضي تعلو وجه الذي شع بسمرة عميقة هي مزيج من أشعة الشمس والماء العذب وخضرة الغيطان النضرة .
قتله شاب مصري فتيي ...ولكن الحقيقة أن المصريين جميعاً قتلوه ...من هللوا له قتلوه ...ومن صمتوا قتلوه ... ومن حرضوا قتلوه...الجميع قتله .

لقد أحب الرئيس السادات مصر كما أحبها من سبقه وكما أحبها من لحقه الجميع أحبها ..كيف لا وقد أحبها الفقير والمسكين الذي لم يناله من مُلكها الواسع وخيرها الوفير إلا الفتات ورغم ذلك تغني بعشقها واستكان وقنع بما ناله من دفء أحضانها , فكيف لا يحبها من مَلَك أمرها واستأسد بعرش مُلكِها , وربط أحلامه بأحلامها , ومصيره بمصيرها

جميعهم أحبها ولكن حباً أنانياً مفرطاً في أنانيته , حباً مريضاً بلغ حد التملك فسجنوها في أبراجهم ونصبوا أنفسهم أولياء عليها وعلي مستقبلها فأقصوا ونفوا وسجنوا وقتلوا أحبائها , وقربوا وأنعموا علي حراسها وسجانها.....ومن الحب ما قتل.
مات الرئيس السادات ...أو إن شئت قتل ..أو إن شئت اغتيل..أو إن شئت استشهد.

لقد بدأ في مصر وبين المصريين عصر الخلافات والاختلافات , خلافات واختلافات حتى حول الحقائق البسيطة كحقيقة الموت , لقد بدأ المصريون يرسمون في الفراغ ويختلفون حول الغيبيات واتخذوا من ذلك مادةً ثقافية بديلة وتعويضية للفراغ والجوع الذي أحدثه غياب ثقافة المقاومة الجامعة .

مات الرئيس السادات , وحسناً فعل فقد كانت استحقاقات وثبته الثانية إلي كامب ديفيد المعلن منها والخفي والممهرة بإمضاء الرجل قد آن أوان استيفائها وقد كانت استحقاقات خطرة بكل معني الكلمة , وجاء موته ليعطل قليلاً وأقول قليلاً أداء هذه الاستحقاقات بحجج إعادة ترتيب البيت الداخلي وظروف اقتسام التركة.

أما المشهد في الوادي فقد كان مرعباً بحق فقد اشتعلت الحرائق وانتشر دخانها كثيفاً ليغطي وجه السماء وعاثت الضباع في شوارع وأزقة وحواري المحروسة الفساد تتجول مرتديةً أفخر الثياب مترجلةً من فاره السيارات فيختلطُ عليك أمرها فتظنها من علية القوم حتى يفتر فمها عن ضحكة بغيضة تُظهر أنيابها الصفراء الملطخة بدماء المصريين.
أما المعبد فقد هدم ودفنت تحت أنقاضه الثمرة المتحوصلة .
وفيما الذئاب وعملائها يدورون حول الوادي يراقبون الحرائق والموت الذي حاق بأهله تولي أمر المصريين... فلاح طيار....

فماذا حدث..؟
يتبع..
 
التعليقات (3)add
...
أرسلت بواسطة سيف , February 26, 2008
اسجل بكل صراحة اعجابى بالمقال...وبالرئيس الراحل..محمد انور السادت..رحمه الله ..وبرغم القيل والقيل ..لا انه سيظل افضل رئيس حكم مصر منذ52
...
أرسلت بواسطة عمر , February 25, 2008
بالفعل أسلوب جديد في الطرح .. مصر فيها مبدعين .. الله يخرب بيتك يا مبارك .. كل هالمبدعين وبلدك بيشحت
...
أرسلت بواسطة محمد يحي , February 24, 2008
أسلوب جميل , تمتلك أدوات تشبيهيه تنم عن تفكير وتأمل عميقين ..تحياتي لك
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك






ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع