|
مثلما فعل آباؤنا ... نفعل؟ |
|
|
|
22/02/2008 |
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك - بيروت
"مثلما بنى آباؤنا وفعلوا نبني ونفعل" ... هكذا أردت حينها أيها الكبير الذي عمل بكل جد لاكمال ذلك المبنى في أسرع وقت رغم صعوبات ذلك العام. وكأن تلك الجملة التي تركتها لنا، وتركناهم اليوم يزيلونها بدون أي ضجة معتبرة، تحكي كل الحكاية ... عن آباؤكم وآباؤنا ... وعنكم وعنا... ولكأنها تخاطب ذلك السؤال العالق في ذهني وما يزال، عن ماهية القضايا التي حملتنا إياها الأجيال السابقة.
أية قدر عجيب ساق إلي هذا الخبر، وهذه الجملة ... محفورة كما هي وبارزة، أقصد كما كانت، على ذلك المبنى –والذي أيضا كان- في القدس، على بعد شارع واحد من مقبرة مأمن الله –هل من الضروري أن أضيف كان أيضاً هنا؟- والتي هي قريبا "متحف التسامح" -المبني على حرمة مقبرة تاريخية لها مكانتها وفيها من الرجالات الكثير- بكل ما لهذا الاسم من سخرية الواقع القاسي ..
وسألت نفسي من يجرؤ اليوم على كتابة مثل هذه العبارة، فلعل أحدا إن راودته نفسه بذلك لما كتب "آباؤنا" بل على الأقل أجدادنا أو أجداد أجدادنا، لكني أيضاً سألت نفسي عن مدى تقصير أبائنا، إذ أننا في كثير من الأشياء، بمثل طموحهم وعملهم وهمتهم، فما المطلوب يا ترى؟ وهو سؤال أثاره بداية تعليق جدي عن استنكار وجهه الي أحدهم عندما ذكرت أمامه في احدى النقاشات إيماني بزوال اسرائيل، بل وضرورة ذلك. وجدي الذي أمضى أكثر من ثمانين عاما حتى اليوم في هذه الحياة، وشهد نكسات وتحولات عديدة، من مجاعة وانتداب ثم استقلال ثم موجة القومية والناصرية وما كان من نكبة ثم نكسة ثم حروب اهلية واجتياحات، ظل مؤمنا بهذا الزوال، فقال لي، "قولي له، ألن تزول أنت من الوجود؟ فلماذا لا تزول دولة مثل إسرائيل؟"
هدأت جدي وطمأنته، "يا جدي، لا تخف علي، أعرف كيف أرد" ... لكنه عاد وبعد حوالي الربع ساعة فتح الموضوع مجدداً، وكأنه يريد أن يؤكد لي أننا يجب أن نظل مؤمنين؛ انها فكرة حتى ولو لم تتحقق لهم ستتحقق لنا؛ "قولي له اذا عاد وسألك، قولي له أن اسرائيل ستزول، قولي له أنه ليس زوالها هو المستحيل، بل ان بقاءها هو المستحيل" ... جدي وسنواته الثمانين يدرك أنه قد يغادر في أي لحظة هذه الدنيا ولما تتحقق أمنيته بعودة المسلمين الى دينهم وعزتهم، أو بعودة فلسطين الى اهلها ... لكن جدي ليس النموذج الأوحد. فهاهي كلمات احدى قريباتنا وقت الحرب الأخيرة في الصيف، ترن في أذني مجددا ومجددا. "لماذا هذه الحرب، تعبنا ... دعونا نقيم معاهدة سلام .. عندها ساذهب الى القدس وسازور القدس..." كانت تلك المرة الاولى التي اسمع عن انسان احب القدس وزيارتها لدرجة انه يتمنى عقد معاهدة "سلام" مع الكيان الاسرائيلي لأجل ذلك! لكني عزيت نفسي بأن أملت أن القاعدة هي جدي، مع أني أدرك أني قد أكون للأسف مخطئة ...
وكما جدي وهي، رأيت نفسي وغيري. يشاركني إيماني الكثيرون، وقد يشاركه استنكاره الكثيرون أيضاً. وخفت أنها دورة الزمان تؤذن باستمرار الواقع لا بالتحسن، وحزّ في نفسي أني يوماً قد أبلغ الثمانين من العمر كما جدي وقد صار في ذاكرتي من المآسي ما صار في ذاكرة جدي، ولم أذهب يوماً إلى القدس، بل ولا إلى بغداد، بل وأخشى مثلاً أني لن أذهب يوماً بعدها إلى دمشق، أو لعله ربما إلى بيروت التي تسكن في تماما كما أسكن فيها اليوم وفي كل لحظة وتفصيل. أترانا مثلما فعل آباؤنا وانتظروا، نفعل وننتظر؟
أترانا نحمل معنا إلى الأبد أحلام المشي في مساطب الحرم القدسي الشريف بكل اندهاش وفرح وعشق وذوبان، ننظر إلى هذه المأذنة وتلك، وهذا الباب وذاك، ونردد أسماءها بجنون طفولي غير مصدقين اننا هنا، وانها هي كما رغبنا دائما بالوصول اليها ... أترانا لن نصل اليها؟
أهو حقاً، مثلما فعل آباؤنا، سنفعل؟
وهل يا ترى ان كان كذلك، محتم علينا، أن نصل الى حيث وصلوا؟
|