|
أمجد الشلتوني - الجزيرة توك
لو قدر لي أن أشرف على صياغة مناهج دراسية أو جامعية لفرضت مادة بعنوان (كيف تستفيد من عيونك ؟).
النص السابق مقتبس بتصرف من مقالة مطولة للكاتبة الأمريكية هيلين كيلر وهو من بين نصوص قليلة أفلتت من يد النسيان الذي طال المناهج التي درسناها خلال سنوات الجامعة.الكاتبة فقدت بصرها وسمعها وبالتالي قدرتها على النطق مع أيامها الأولى لكن ذلك كله لم يحل بينها وبين التميز والإبداع، والنص من مقالة مطولة تروي فيها جانبا من تجربتها! المقالة عنوانها ( لو منحت البصر لثلاثة أيام فقط ) وبدوري عزمت عدة مرات على ترجمتها للعربية لكن بركات التأجيل ظلت تسعفني حتى رأيتها اليوم مترجمة على الإنترنت....لماذا لا يحدثنا أحد عن مزايا التأجيل !؟
وقد وجدت في مطبخي متسعا لمطولات منها أما هنا فسأكتفي بمقاطع متفرقة بتصرف:
كان يلذ لي أحيانا أن اسأل رفيقاتي المبصرات عن مشاهداتهن ،وقد زارتني يوما إحداهن بعد أن رجعت لتوها من جولة في إحدى الغابات المجاورة, سألتها عن مشاهداتها فكان جوابها بالحرف : " لا شيء يستحق الذكر!"
ولو أنني لم أكن معتادة مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت، فكيف يمكن أن يتجول المرء ساعة بين منعطفات الغاب ولا يرى شيئا يستحق الذكر!؟ لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء المبصرين لا يبصرون.
أنا الضريرة استطيع أن اكتشف مئات الأشياء من خلال اللمس العابر واشعر بالتناسق اللطيف الذي أجده بين أوراق الشجر وأتلمس الغصون بحثا عن البواكير الأولى للطبيعة بعد سباتها العميق في الشتاء.
إلى هنا انتهى المقتبس من المقالة وعلى الرغم من أنني درستها منذ نحو عقدين إلا أن سعادتي بها تعززت على مدى العامين الماضيين فقط !
كان ذلك يوم اشتريت آلة تصوير فيديو في محاولة للولوج إلى المدونات المتلفزة لكن ذلك الهدف لم يعمر طويلا وتراجع لصالح آلاف الصور الفوتوغرافية التي فتحت لي بابا في الرؤية لم أكن أتوقعه!
فكم من الساحات والمباني التي كانت مجرد شواهد على الطريق أصبحت فرصة لاقتناص لقطة جديدة للحياة؟
وكم من المعاني الملقاة على الطرقات تتناولها ريشة فنان أو كاميرا مصور فتتحول إلى معنى تتداوله العيون والألسنة في مختلف أرجاء الأرض!
حتى المدينة التي عشت فيها لسنوات غدت مدينة أخرى تتغير مع كل وقت من النهار وكل فصل في السنة حسب تنوع مظاهر الطبيعة أو حتى انعكاس الشمس!
لا يحتاج الأمر إلى تخصص أو مهارة حاذقة تنافس على الفوز بالجوائز الدولية لكن ما قدمه فليكر ومثله من المواقع منح فرصة للمنافسة مع المشاهدات التي حفظتها عيون أخرى لأدرك أن للمشهد الواحد أكثر من زاوية وأكثر من قراءة وأن لكل عين طريقتها في النظر إلى الأشياء!
ليس الأمر بريئا دائما فبعيدا عن ذلك كله كانت الكاميرا بالنسبة لي فرصة اجتماعية غير عادية لكسب العقول والقلوب على نحو أخفقت به كل محاولات السياسة الأمريكية؟
فما علي في أية مناسبة سوى أن أحملها بين يدي لأضمن بها موقعا في ذاكرة وقلوب الكثيرين بمجرد أن تخص شخصا ما بصورة شخصية أو أن تطلب منه صورة إلى جانبه !
يبدو الأمر خاصا بالأطفال أحيانا ولكن لحسن الحظ فإن الكاميرا لا زالت قادرة على إيقاظ الطفل الكامن في كل واحد منا
ولحسن الحظ ثانيا فإن الكاميرا لا زالت من المناسبات القليلة القادرة على صناعة الابتسام أو حتى تصنعها ؟
قرأت يوما أن أقصر الطرق إلى قلوب الناس هي أن تظهر لهم أن ثمة شيئا مشتركا بينك وبينهم فهم يحبون من يهتم بما يهتمون به ولكنهم يحبونك أكثر عندما يكون هذا المشترك هو حبهم لأنفسهم!
|