|
غادر الحياة .. سيتم تكريمك ! |
|
|
|
16/02/2008 |
في رحيل النقاش ومنطق الأنظمة العربية
محمود ابو بكر ـ الجزيرة توك ـ القاهرة
الرحيل المفجع للناقد العربي الكبير "رجاء النقاش" جعلنا نفيق مرة اخرى أمام خيبات هذا العالم العربي ونكباته المتتالية التي نادرا ما يستفاد منها ، ولعل احد مصائب هذه الأمة انها منكوبة في مثقفيها ونخبها ..
والأمم التي لا تحتفي بمثقفيها ونخبها الادبية والعلمية ( وهم احياء ) هي حتما أمم لا تقدر عطاءاتهم وانجازاتهم في اقل تقدير ان لم نقل انها لا تستفيد من ذلك العطاء ولا تنهل من معينهه الوفير كما ينبغي ، او كما تفعل الأمم المتقدمة ، خدمةً لذاتها وللأجيال القادمة ..
وإذا ما حاولنا في هذه الإطلالة السريعة حصر الاسماء التي كرمت كما ينبغي من قبل النظم العربية -_على اختلافها _ فإن قلة قليلة فقط هي التي تستحق ذلك التكريم وما عداها فهي في الغالب إما دون المستوى أو أن ذلك التكريم لم يأتي سوى كترجمة حرفية لمقولة الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل الذي وصف تعاطي الانظمة العربية مع الكاتب العربي بانها ( اما ان تحاول شراء صوتة او صمته ) !
وبين شراء الصمت او الصوت تكرم الانظمة بعض الكتاب الذين قبلوا الرهان المزدوج ،بينما يبقى الاوفياء لمهنة الكتابة والفكر الحر بعيدين عن اضواء التكريم والتحفيز او حتى التناول الإعلامي الرسمي ، _هذا ان لم تتبرع بعض الاقلام -بمهامها المجانية او المدفوعة – والمتمثلة بشن حملات إساءة وتشويه متعمد ضد كل صوت ، رفض الرهان او إرتهن لإرادته الحرة .
وفي احسن التقديرات فإن معظم الأنظمة العربية ترفض تكريم هؤلاء خشية أن ينقلبوا ذات يوم ضد إراداتها ، أو ان يمنحهم ذلك الاحتفاء والتكريم قوة إضافية او شرعية تفتقدها تلك الأنظمة في حد ذاتها .
بينما يعتقد البعض من المتفائلين ان الأمر لا يتعلق بمخاوف نظامية (كما ندعي نحن) بل بعرف عربي قديم ، حيث لا يكرم الإنسان إلا لحظة وفاته !
بل أن العرف جرى كما يقول ( احد رفاقي ) في أن تسمى المركبة التي تحمل الجنائز نحو مثواها الأخير بـ " سيارة تكريم الإنسان " – وهي عبارة رائجة في الدارج المصري -!
ويصوغ (رفيقي) امثال شعبية سائدة في بعض الاقطار " تتعوذ من يوم شكر الإنسان " لأنه حسبها لا يشكر إلا في لحظة وداعه للدنيا .. ولذلك يقولون ( الله لا يورينا يوم شكرك) – اي يوم تكريمك ..
(كان راجل طيب ) وهذه عبارة اخرى لا تقال إلا بإضافة مفردة ( الله يرحمه ) وحتى الرحمة التي تجوز للحي والميت في آن واحد، لا نستخدمها إلا بعد وفاة الإنسان.. وتلك مفارقة أخرى !
والواقع أن كل تلك المبررات لا يمكن أن تعفي الأنظمة عن مسؤولياتها الاساسية في كافة المجالات ، والتي على رأسها تكريم وتحفيز النبغاء من ابناءها ونخبها الثقافية والادبية والعلمية ..الخ
اقول ذلك بعد ان طالعت مقال الدكتور مصطفي الفقي على صفحات صحيفة (المصري اليوم) عن الاستاذ رجاء النقاش ، وكيف ان المجلس الأعلى للثقافة قد اعترض (شكليا) على ترشيح الاستاذ رجاء لنيل جائزة الدولة ( اشهر قبل وفاته) لسبب برتوكولي يتعلق بضرورة ترشيح أحدى الهيئات الرسمية له !
والغرابة في الأمر أنني قرأت في ذات اليوم أن الهيئات الرسمية المخولة بذلك قد وافقت الآن على ترشيحه وأن هناك إمكانية لنيل النقاش جائزة الدولة ( الآن بعد وفاته !)
ولا أدري تحديدا لماذا تصر تلك الهيئات (سواء في تعاطيها اليومي او قواعدها الإدارية والنظامية) أن لا تسعد كاتبا في حياته او تمنحه جائزة مستحقة تقديرا لعطائه ؟!
ولماذا تصر تلك الهيئات على ذرف دموع التماسيح بعد وفاة الكاتب والسعي والتهافت على تكريمه بعد أن غادر الدنيا عاريا إلا من تاريخه وإنجازاته ؟
وهنا تحضرني الكثير من المواقف التي نلتقطها من الإعلام الرسمي على هامش حدث جلل ، كوفاة كاتب او فنان او مفكر قضى حياته في محراب الأدب والثقافة ولم تلحظ أجهزة الإعلام الحكومي وجوده إلا وهو محمولا على تابوت المثوى الأخير ..
لازلت استعيد "سيرة التكالب " الكبير الذي شهدته امام احدى "المستشفيات " بالقاهرة في إنتظار رحيل عمنا الكبير أحمد فؤاد نجم ( أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية ) ، عندما انتشر خبر وعكته الصحية ، بينما لم نلحظ سطرا واحدا (في الصحف الرسمية ) يشير الى بيت من بيوته الشعرية او مفردة من مفردات حياته وهو لا يزال حيا بيننا في هذه الدنيا !
كما يحضرني الموقف الاستثناء الذي جسدته احدى الصحف العربية عندما كرمت الشاعر الكبير محمود درويش واعدت ملفا كاملا عن حياته وتجربته الشعرية ، فما كان من هذا المبدع إلا ان يخاطب رئيس تحرير الصحيفة في رسالة منشورة تحت عنوان " هل مُتُ ولم انتبه ؟!"
وهي ملاحظة ذكية من قامة شامخة كدرويش الذي يدرك تماما "التوقيت العربي للتكريم "!
وهو ذكاء ربما قد لا يكون مختلفا عن ذلك الذي كشف عنه الكاتب "صنع الله إبراهيم" عندما رفض تسلم "جائزة الدولة" معتبرا انها " جائزة مشبوهة" لا يقبل بها .
|