تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
لماذا فسدت البلاد والعباد؟ طباعة ارسال لصديق
09/02/2008
د. فيصل القاسم - الجزيرة توك
 لم تعد الشهامة شهامة، ولا الصداقة صداقة، ولا المروءة مروءة، ولا النخوة نخوة، ولا الأخوّة أخوّة، ولا الجيرة جيرة، ولا القرابة قرابة، ولا الأمانة أمانة في بلادنا التعيسة. لقد تآكلت القيم وخربت الأخلاق وبارت النفوس وتصدعت الأسس الإنسانية، فشاع النصب والاحتيال وتفشى الكذب والخداع والتدليس والإجرام والخيانة الاجتماعية، وأمسى الغريب طبيعياً والطبيعي غريباً. وغدا الشهم حماراً، والصادق مغفلاً، والغيور مخبولاً،والطيب ساذجاً، وكأن المطلوب منا أن نتحول مائة وثمانين درجة عن طريق الإنسانية الحقة، وأن نقرأ الأشياء بالمقلوب كي نساير العصر، وإلا اعتبرونا شاذين وغير معاصرين.
وكي لا يعتقد البعض أنني أحاول توضيح الواضح، لا بد من الاعتراف بأن انحطاط القيم وفساد المجتمعات ليس حدثاً جديداً بل شهدته كل حقب التاريخ بدليل أن الأدباء الانجليز مثلاً كـ دانيال ديفو وبرنارد شو ودي أتش لورانس وتشارلز ديكنز وغيرهم تناولوا الخراب الاجتماعي والإنساني منذ أكثر من قرن، ناهيك عن أن نبراسنا العظيم عبد الرحمن الكواكبي شرّح المجتمع العربي والإسلامي خير تشريح قبل أكثر من مائة عام في مؤلفه الخالد "طبائع الاستبداد". 
 
بالتالي ليس من الجدة بشيء أن يتحدث أحدنا هذه الأيام عن فساد البلاد والعباد. لكنني أجد نفسي مجبراً على طرح الموضوع وتكراره بعد أن وصلت براثن السرطان إلى قلب مجتمعاتنا التي كنا نحتفظ لها يوماً ما بصورة رومانسية ناصعة في مخيلتنا. وكما هو معروف فإن الخطب يصبح أكثر وقعاً وتأثيراً على النفس إذا كان قريباً منا، حسب النظرية الإعلامية، فسماع خبر عن زلزال في إندونيسيا لن يؤثر فينا كما يؤثر خبر سقوط ابن جارنا من على سطح المنزل وكسر يديه ورجليه، فما بالك إذا كان الخطب أشد وأنكى، كفساد مجتمعاتنا التي ترعرعنا بين أحضانها.

كم أشعر بغصة قاتلة وأنا أرى كيف انقلبت المفاهيم وتحجرت القلوب وفسدت الطبائع وأمست المصالح سيدة المواقف في بلادنا التي كانت طيبة، ووسط أبناء جلدتنا الذين كانوا يوماً خيّرين. كم بتنا نحِنُّ لتلك الأيام الخوالي عندما كان الناس أناساً والوحوش وحوشاً. أما الآن فقد تعولم الناس والوحوش في قالب واحد قيمياً. وغدا من الصعب جداً التمييز بين بني آدم وبني آوى من حيث الأخلاق والسلوك.

لقد قادني حظي العاثر قبل أيام إلى مكتب نائب عام في إحدى المدن العربية «والحمد لله لتناول فنجان قهوة لا أكثر ولا أقل» وليتني لم ألبّ الدعوة، فقد اطلعت خلال تلك النصف الساعة التعيسة على عجائب وغرائب كنت أعتقد أنها موجودة فقط في الروايات وأفلام الإجرام فقط، فإذ بها حدث يومي مكرور في منطقة عربية كنت أعتقد أن أهلها أقرب إلى الرهبان في بساطتهم وطيبتهم ومعشرهم وقيمهم وتصرفاتهم."نعم يا أخ ما هي مشكلتك"، سأل النائب العام أحد الداخلين إلى مكتبه، فأجاب الأخ: "مشكلتي بسيطة يا سيادة النائب: لقد استيقظت صباح اليوم لأجد أن زوجتي خطفت الأولاد وسافرت إلى إحدى بلدان أمريكا الجنوبية بعد أن رشت الشرطي على الحدود بمبلغ ما".
 
لقد كان الحدث بالنسبة لي كالصاعقة، خاصة وأنني ما زلت أحتفظ لتلك البقاع الطيبة بذكرى رهبانية جميلة وبريئة. أما سيادة النائب فقد بدا عادياً في رد فعله لا مستغرباً، لكن ليس لأنه متحجر القلب ولا يأبه بالمشاعر الإنسانية، بل لأنه، كما أردف لي قائلاً: "إنه حدث بسيط مقارنة بالجرائم الأخرى التي تمر على رأسي يومياً. لقد كنت قبل أسبوع مشرفاً على إعدام شاب قتل شخصاً شر قتلة لينهب منه ما يعادل خمسمائة دولار". فقلت له: "ربما يحدث ذلك في شوارع واشنطن الخلفية أو في شيكاغو، لكنه مستحيل أن يحدث في قرانا الوادعة"، فقال: "لا ياسيدي. لقد أصبح لدينا مجرمون ومنحرفون في مدننا وضيعاتنا الجميلة والمسالمة بخطورة أولئك الذين تشاهدهم على شاشات التلفاز في الأفلام الأمريكية."

لقد روى لي السيد النائب كيف احتاج شاب مقبل على الزواج إلى مبلغ بسيط لشراء الذهب لخطيبته قبيل الزفاف، فدعا أحد التجار إلى بيته على أمل أن تكون جيوبه ممتلئة بالمال، وبعد أن وصلا إلى المنزل جلس التاجر في غرفة الاستقبال، لكنه غط في نوم عميق بسبب التعب، وهنا كانت فرصة الشاب بأن ينقض عليه بفأس، فأغمي عليه، فجره إلى غرفة أخرى، وعندما وجده ما زال يحرك رأسه أتى بسلك الهاتف وخنقه به ليجهز عليه تماماً، ثم فتش جيبه ليجد فيها ما يعادل خمسمائة دولار فقط لا غير، فأخذها وتوجه إلى بيت خطيبته، وطلب منها أن تذهب معه لشراء «الصيغة»، وكأن شيئاً لم يحدث- هكذا بكل دم بارد.

وما كاد النائب العام يفرغ من رواية الشاب القاتل حتى دخلت علينا عجوز تشتكي جارها الطيب و"الآدمي جداً" الذي كانت تعتبره أفضل وأنبل وأكثر رجال القرية شهامة واستقامة، لكنه فاجأها بأن نصب عليها وسرق منها نصف مجوهراتها القديمة التي كانت تحتفظ بها ليوم الضيق. لقد غدت الأمانة والاستقامة عملة نادرة في الكثير من مجتمعاتنا، فالقريب يمكن أن يغش قريبه وينصب ويحتال عليه بطريقة خسيسة للغاية دون أن يشعر بأي وخز للضمير، حتى بات الأخ لا يأمن جانب أخيه أحياناً.

لماذا وصل أبناء جلدتنا الطيبون إلى هذا الدرك من السفالة والانحطاط القيمي والأخلاقي؟ أليس لأن السلطة في بلادنا العربية أفسدت كل شيء ورفعت شعار "يجب إفساد من لم يفسد بعد"، لأن حكم شعب فاسد أهون عليها بكثير من حكم شعب صالح؟ أليس الثلم الأعوج من الثور الكبير فعلاً؟ أليس من الخطأ تحميل العولمة الإعلامية والثقافية وزر انحراف مجتمعاتنا وتجريدها من قيمها الاجتماعية والأخلاقية والدينية والثقافية النبيلة بدعوى أن الانفتاح الإعلامي الخطير مكن الشعوب العربية التعرف على ثقافات العنف والإجرام والانحراف الأخلاقي في العوالم الأخرى؟

قد يجادل البعض بأن ما يحدث في بلادنا من انحرافات يبقى نقطة في بحر مما يحدث في الغرب المتوحش، وخاصة في أمريكا، حيث لا تمر دقيقة دون أن تقع جريمة مروعة، أو في أمريكا اللاتينية، حيث يقتلون الإنسان من أجل سيجارة. وهذا صحيح، لكن الفرق بيننا وبينهم أن ما يسميه كارل ماركس بـ"واقعنا الاجتماعي" الذي هو نتاج لواقعنا الاقتصادي يختلف تماماً عن واقعهم، فالجرائم التي تقع في أمريكا هي نتيجة طبيعية لطبيعة النظام الرأسمالي المتوحش. أما نظامنا فهو زراعي أو ما قبل صناعي مسالم حسب التحليل الماركسي. ناهيك عن أن المجتمعات الغربية على رغم العنف المتفشي في بعضها تظل أكثر التزاماً بالأخلاق الإنسانية من مجتمعاتنا، فالناس هناك صادقون في تعاملاتهم وأمينون ومستقيمون وحتى خيرون، وهو أمر تنبه له المصلح الكبير محمد عبده منذ زمن بعيد عندما قال ذات مرة: "لقد شاهدت في الغرب مسلمين من دون إسلام بينما لدينا في ديارنا إسلام من دون مسلمين."

أما أن تفرز بلداننا جرائم كتلك الموجودة في أمريكا ذات النظام الاقتصادي والاجتماعي المختلف كلياً فهذا يشير إلى خلل خطير لدينا وأن السيل قد بلغ الزبى. ناهيك عن أن لدينا تراثاً ثقافياً ودينياً رادعاً للجريمة بشكلها الأمريكي، بالإضافة طبعاً إلى النظام الأمني العربي الصارم الذي أخصى كل شيء آخر في بلادنا، كي يكون هو الكل بالكل. لكن هذه التركيبة الثقافية والمجتمعية والدينية والأمنية لم تحل دون تفشي الفساد والجريمة والخراب الاجتماعي على نحو خطير في ديارنا. لماذا؟ لأن الاستبداد أقوى منها جميعاً وهو المسؤول الأول والأخير عن التدهور الاجتماعي والأخلاقي في مجتمعاتنا على مبدأ "حاميها حراميها".

وكان الكواكبي قد حذر الآباء والأمهات في كتابه الشهير من تربية أبنائهم على الفضيلة والأخلاق الحميدة لأن الاستبداد قادر على قلب الأمور رأساً على عقب، بجعل الصادق كاذباً ومتزلفاً والشهم نذلاً وسافلاً والكريم لئيماً وخسيساً، وبذلك تضيع جهود الآباء سدى. وبالتالي علينا ألا نتوقع من مجتمعاتنا أن تكون فاضلة وخيرة إذا كان من يحكمها يدفعها بانتظام واستمرار إلى هاوية السقوط الاجتماعي والأخلاقي والقيمي، ولا يغمض له جفن إلا إذا فسدت البلاد والعباد.
التعليقات (12)add
...
أرسلت بواسطة محمد الطالباني , March 30, 2008
ربما استطيع القول بانك يادكتور فيصل لم تات باي جديد ولكن الخوض في تلك القضايا لن يتجرا عليها الا امثال الكواكبي واصحاب الجراءة , لاننا في زمن بات اتكلم عن مثل هذة الاشياء من المحظورات سواء كان عند الحكام واذا استطعت ان تفلت من الحكام فهناك مشانق المفتيين ايضا .... انها شجاعة يادكتور فيصل عاشت الايادي
...
أرسلت بواسطة almoughraby , February 19, 2008
ماما بوسعي الا القول حسبي الله ونعم الوكيل
...
أرسلت بواسطة رقية , February 14, 2008
[qشكرا لك حضرة الدكتور على المقال.
ماذا عسانا فعله فالعولمة بدأت تجني ثمارها وأدخلت علينا كل ماهو سلبي في الحياة العامة.فاما ان نقاطعها ونرجع لديننا الحنيف او نغوصفي كمينها.

...
أرسلت بواسطة AL , February 13, 2008
look at the bright side: they're building in Dubai the Highest Building in the world and ivory tower...what a joke we've become really.
محايد اليوم انا
أرسلت بواسطة سيف , February 13, 2008
مقالة جيدة يا ابو الفياصل ....
........مخيمات اللاجئيين الصحراويين
أرسلت بواسطة احمدباب لحبيب يحظيه , February 12, 2008
....شكرا على كل حال الاخ فيصل.لا اقول سرا ان قلت ان انظمتنا العربية تبيح لنا ان نفعل كل شي من المباح واللامباح. لكن وهذا هوالخط الاحمر عند هذه الانظمة الا يمسمن امنها او التفكير في التغيير ودون ذالك افعل ماتشاء
.........................
أرسلت بواسطة arabian girl , February 12, 2008
I noticed tthat you are so pesimestic Mr Faisal.YES there are many abnormal and strainge social phenomenas but in the other hand we see million of valuable behaviour especially wiyh youth.I just want you to all the glass not the empty part only.I noticed also that you neglected parents roles ,media,schools so don t blame politics only . p
...
أرسلت بواسطة مهند احمد عبد القادر , February 10, 2008
انا كل هذه الاخلاق انما هي ناتجة عن البعد عن الدين لأن المسلم في العالم العربي مجرد مسلم باللأسم وليس بلفعل وأن الفقر والبطالة تؤدي الى افعال غريبه عن مجتمعاتنا
ثورة الجياع
أرسلت بواسطة يمــــــــــــــــــاني , February 10, 2008
إن مؤشرات ثورة الجياع قد بلغت مراحلها النهائية وإني أقول أصبح الوضح يرثى له اقسم ان في بعض البلدان العربية يموت البعض من الجوع فمن الشواهد ( العراق _ الصوامال _ اليمن وغيرها ) أليس الجوع هوا منقذ العصر أم ان الجوع أصبح داء العصر اقول ان الجوع هوا محرك البطون الخاوية نعم هوا الذي يحرك المارد النائم اذا ثورة الجياع قادمة لا محالة وحسبي ان اقول كل حاكم عربي الان ينخره داء الثراء نخرا فلا يستطيع نوما ولا يستطيع أن يأكل أكل حلال أصبحت بطونهم متعفنة بأكل أموال الفقراء والمساكين والجياع
اسأل الله ان تكون الايام المقبلة قيام ثورة الجياع وبداية من أرض اليمن الحبيب لانه اصبح بقاؤة شبه معجزة في هذا الواقع الأليم
...
أرسلت بواسطة ناصر اليمانى , February 09, 2008
يا ابا اصيل اضحى المواطن لايجد ما يسد رمق جوعة هكذا باتت سياسة الحاكم المستبد ((الفرعون الصغير ))يحاول من خلال سياستة انيلهى المواطن العربى بى اللقمة التائهةوالضائعة وخذ مثالا عندنا فى اليمن كم من اسر تقتات من براميل القمامة ..فكيف لايلجئون الى تلك الاساليب الغير انسانية التى اشرت لها فى سطوك ....
ابا اصيل لايقوى اى اب اوام ان يرى ابنة يتضور جوعا ولايحرك ساكنا ..سيفعل اجل ابنة المستحيل ....وكما اشرت ان من اسباب بقاء الفراعنة هم انهم الهو المواطن المغلوب على امرة بى اللقمة الضائعة والتائهة وايضا رسخو قاعدة فى نفس كل مسئول...مفادها ((بقائى من بقائك ))والى ما الذى يفسر ولاء المسئولين لى الحاكم
اليمانى
عربي 000000 وانكسر
أرسلت بواسطة عربي 000 ولكن , February 09, 2008
يا دكتور قاسم اما سمعت القائل
تموت الاسد في الغابات جوعا ولحم الضأن تأكله الكلابببببببب
ايا ايها القاسم اما عرفت العرب يوما انهم بحثوا وبحثوا وما زالوا يبحثون (الا من رحم ربي) عن اتفه منهم ولكن يا للا سف لم يعثروا على اتفه منهم فماتوا وما الموت الا بأسلم
الجواب ببساطة
أرسلت بواسطة مسلم بن مسلم , February 09, 2008
قال تعالى (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ))العنكبوت، يا جماعة خذوا قاعدة تالدة خالدة -ما تمسك الناس بدينهم (الإسلام) إلا ارتفعوا بأخلاقهم وآدابهم وقيمهم وشرفهم وعزهم وقوتهم، وما انحرفوا عن دين الله إلا انحرفوا بأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعاملاتهم، وما حصل هذا من الناس إلا أذلهم الله وأخزاهم في الدنيا والآخرة.... إسمعوا معي قول الله عز وجل (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ)الأنعام ، وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال (إن الله ليرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين) وآخيرا تمسكوا بدينكم وكتابكم وسنة نبيكم فذالكم والله عزكم في الدنيا والآخرة (أم حسبتم أن تدخلو الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)آل عمران (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك






ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع