|
ماقبل اغتيال الحريري.. غيره ما بعده! |
|
|
|
07/02/2008 |
|
أواب إبراهيم - الجزيرة توك - بيروت
تحلّ بعد أيام الذكرى السنوية الثالثة (14/2/2005) لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. جريمة التفجير هذه هزّت العاصمة بيروت لضخامتها، وهزّت ارتداداتها المنطقة كلها. لكن ما لم يكن يخطر ببال، أن هذه الجريمة ستهزّ الكثير من المفاهيم والقناعات التي كانت سائدة.
ثلاث سنوات ليست مدة زمنية كافية لإجراء تقييم في الآثار والانعكاسات والنتائج التي خلّفها زلزال اغتيال الحريري، خاصة أن نتائج وآثار هذه الجريمة مازالت تتكشف إلى اليوم وربما إلى مرحلة قادمة. جلّ ما يمكن القيام به هو إجراء مقارنة سطحية بين ما كان عليه الحال قبل 14 شباط 2005 وما حصل بعده.
قبل جريمة اغتيال الحريري كانت قائمة المحرمات موحّدة لدى جميع اللبنانيين وعلى رأسهم السياسيين. وكان من يجرؤ على الاقتراب من هذه المحرمات يُتهم بالعمالة للولايات المتحدة، والتبعية لإسرائيل، وارتكاب جريمة الخيانة العظمى بحق الوطن والقضية(؟!)، ويتمّ عزله عن الحياة السياسية، وتوجيه أقبح الانتقادات والأوصاف لطروحاته السياسية، وإعادة نبش تاريخه السياسي والشخصي، للعثور على فضيحة ما أو عثرة ما، ليتمّ التشهير ب والقضاء على مستقبله السياسي.
هذا كان قبل 14 شباط 2005. أما بعد هذا التاريخ، فإن قائمة المحرمات التي كانت دولة الوصاية تحرص على توحيدها لدى الجميع، باتت متنوعة ومختلفة بين هذا الفريق وذاك، لاسيما بعد أن تحولت دولة الوصاية إلى مجموعة دول.
فإعادة النظر في شكل العلاقة التي تربط لبنان وسوريا باتت مطلباً وطنياً ملحّاً، بعد أن كان جريمة لاتغتفر. والمطالبة بالبحث في اتفاق الطائف والغمز من زاوية تعديله بات ضرورياً لإعادة الاعتبار للصلاحيات المسلوبة من رئيس الجمهورية، في حين كان مجرد التفكير بنقاش اتفاق الطائف خط أحمر يحرق من يقترب منه. وأما التشكيك بنزاهة القضاء واستقلال القضاة فقد بات محل تندّر السياسيين، الذين يكشفون في مجالسهم الخاصة عن أسماء القضاء الذين يتبعون لمرجعيتهم، بعد أن كانوا يصنفونهم في خانة "القديسين". وأما المسّ بهيبة المؤسسة العسكرية، فإن الاتهامات التي يسوقها مسؤولو حزب الله للجيش منذ أحداث مارمخايل كافية للقضاء على أي مكانة أو احترام كان يحتفظ به اللبنانيون لهذه المؤسسة، بعد عقود من التقدير والاحترام الذي كان يُجمع عليه كل اللبنانيين.
قبل 14 شباط 2005 كان انقطاع التيار الكهربائي أمراً منطقياً في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان، ولم يكن انقطاع التيار يستتبع أي ردة فعل باستثناء بعض الانزعاج والضيق. أما بعد 14 شباط 2005، فإن انقطاع التيار بات يستلزم تظاهرات واحتجاجات وقطع طرق وحرق دواليب واعتداءات على المواطنين وأملاكهم، واعتداء على العناصر الأمنية التي تعمل لإعادة فتح الطريق، ومحاولة لانتزاع أسلحتهم والاستيلاء على آلياتهم. والويل والثبور وعظائم الأمور إذا حاولت القوى الأمنية الدفاع عن نفسها وإطلاق الرصاص، حينها يتم الغمز والإشارة إلى أن السلاح كان متوفراً في مخازن الضاحية الجنوبية لمواجهة "اعتداء" الجيش، إلا أن حكمة وضبط أعصاب قيادة المقاومة هي التي حالت دون استعمال هذا السلاح. أطال الله عمر هذه القيادة.
قبل 14 شباط 2005 كان مجاهدو "المقاومة" يتمركزون ويتحصّنون في خنادق وسراديب على تخوم فلسطين، يرصدون حركة العدو الإسرائيلي، ويستعدون لمواجهة أي اعتداء قد يُقدم عليه. أما اليوم فإن هؤلاء "المجاهدين" انتقلوا إلى جبهة "الداون تاون"، على تخوم السرايا الحكومية، يرصدون حركة من فيها ويستعدون للانقضاض عليها. كيف لا، وقد اعترف الجيش الأقوى في منطقة الشرق الأوسط "الإسرائيلي" بأنه انهزم أمام آلاف المسلحين في عدوانه على لبنان في تموز 2006.
قبل 14 شباط 2005 كانت طريق بيروت-عنجر-دمشق تزدحم بالساسة اللبنانيين الذين يخطبون ودّ قيادة سيادة الرئيس ومندوبه السامي في لبنان. أما بعد 14 شباط 2005 فإن البعض انهمك في رصد من يدخل سوريا والتشهير به واتهامه بالعمالة.
قبل 14 شباط 2005 كان الفنانون اللبنانيون يتسابقون لإحياء حفلات في المدن السورية، وكانوا يحرصون في كل حفلة على تخصيص أغنية "عربون محبة ووفاء" لسيادة الرئيس القائد. أما اليوم فإن إحياء الفنانة فيروز لمسرحيتها "صح النوم" في دار الأوبرا بدمشق يستدعي توجيه انتقادات واتهامات للفنانة التي طالما كيلت لها المدائح وآيات التقدير وكانت دائماً سفيرة لبنان إلى النجوم.
قبل 14 شباط 2005 كان اللبناني يضع رأسه على المخدة وقبل أن ينام يفكر في الإنجازات التي سيؤديها في عمله في اليوم التالي. أما اليوم، فإن المواطن قبل أن يضع رأسه على المخدة لينام يفكر بالطريق الأسلم التي سيسلكها في اليوم التالي تجنباً لحوادث التفجير التي تتنقل بين منطقة وأخرى.
|