|
عارف حجاوي ـ الجزيرة توك
سبحان من كان يبعث على رأس كل مئة إماماً يحيي ميت الإيمان، فصار يبعث على رأس كل شهر مطوّعاً ينبعث نور جبينه من شاشة التلفزيون.
ولكل داعية من هؤلاء المطاوعة لون: فهذا يكلم العوام بالعامية فتنشرح صدورهم، وذاك يتجلبب بالفصحى فيجلونه ويبجلونه، وثالث ينفعل كأنه حرر الأقصى، ورابع يتكلم في سكينة كأنه ضمن الجنة لنفسه و(لأعزائي المشاهدين).
وسبحان من أخذ يبعث على رأس كل أسبوع مغناجاً تلفزيونية توقظ رغبة التناسل في عظام الموتى. ومنهن واحدة تقول: (بقى لي ليالي بنادي حبيبي .. ما جالي)، وهي تعلم أن جيوشاً جرارة من رجال هذه الأمة يزحفون على بطونهم كل ليلة شاهرين الريموتات لكي يجيئوا إليها.
سبحان من نطُق فاها فنطّ قفاها.
لا نحن في الإيمان قصّرنا فنؤذي الملّة، ولا في النسل قصّرنا فنؤخذ من قلّة.
وأما الجسم فلا تسل عن حفظه، فالشيف رمزي صار شفائف، نأكل من تحت أيديهم المحاشي والمخاشي، والناطف والقطائف. وصار في وسعك بعد الصحو أو قبل المبيت، أن تسهر على "الفتافيت".
حالنا، نحن العرب، شبيهة بحال الدولة العثمانية قبل نصف ساعة من سقوطها. في هذه اللحظة التي تسبق السقوط يصعب على الأمة أن تفكر. إنها تسير مترنحة الذهن نحو الهاوية.
في هذه اللحظة الصعبة يحلو استذكار الماضي المجيد.
بدلا من ذلك فإنني سأستذكر قصة سقوط الدولة العثمانية: قبل سبع وثمانين سنة قرر أتاتورك أن يخلع الإمبراطورية، وأن يصمد في الأناضول، فصنع تركيا الحديثة.
نحن العرب سنشلح قريبا الجامعة العربية، وسنتخلى عن أراضٍ واسعة يسكنها أكراد وبربر وسودان وبيضان. وربما نتفتت إلى خمسين دولة. (قد كان عدد الدويلات الألمانية أكبر من ذلك قبيل الوحدة على يد بسمارك وفلهلم الأول.) أشعر شعورا عميقا بأننا سنتقارب كأمة عربية بعد حين.
حقاً يربطنا الآن التاريخ المشترك، وروبي ونانسي وهيفا، واللغة المشتركة، والمطاوعة. لكننا يجب أن نتفتت كي نعبر من خروم غربال المعاصرة. يجب أن نشلح الأمجاد الزائفة أولا.
ثم بعد ذلك نحتاج إلى استخدام شهوة ثالثة إضافة إلى شهوتي البطن وما تحته. نحتاج إلى شهوة العقل. نحتاج إلى اكتساب المعارف والمهارات والواقعية، وإلى تحريم وأد البنات والكف عن إراقة الدم على جوانب الشرف الرفيع.
عندما نبدأ باستعمال عقولنا سنجد أن الهالة القبيحة التي رسمناها على هامة الجنس قد اضمحلت. وسنجد أن التناسل وتوابعه، من تهويل للجنس ومن ربط مرضي بين الجنس والكرامة، قد أخذت حجمها الطبيعي.
|