|
رحم الله حسني البوراظان ! |
|
|
|
29/01/2008 |
|
أواب ابراهيم ـ الجزيرة توك ـ بيروت
خلال معارك مخيم نهر البارد قبل أشهر، تعمّد «بعضهم» إطلاق صواريخ كاتيوشا من داخل المخيم على المناطق والقرى المحيطة. لحسن حظ شركة الكهرباء يومها، أن أحد هذه الصواريخ سقط بالقرب من محطة توليد الطاقة الكهربائية في دير عمار. وكأن الدولة اللبنانية كانت تبتهل إلى الله أن يسقط هذا الصاروخ، فتمّ إيقاف المحطة عن العمل بذريعة تردّي الوضع الأمني، وفُرض تقنين كهربائي قاس طال مختلف المناطق اللبنانية لا سيما الشمال. وكان كلما رفع أحدهم الصوت احتجاجاً على هذا التقنين كان المعنيون يحيلونه على شاكر العبسي، الذي – كما قالوا - إمعاناً في إجرامه أراد التعتيم على اللبنانيين!!
وصبر اللبنانيون حتى انتهاء المعارك ليتم تشغيل المحطة، علّ الأنوار تسطع من جديد، إلا أن َملَكة الإبداع اللبنانية تأبى إلا أن تبتكر ذرائع وأسباباً إضافية لتبرير استمرار انقطاع التيار الكهربائي، فمرة تحت عنوان نفاد مادة الفيول أويل المشغّلة لمحطات توليد التيار بسبب تأخر الباخرة «الفلانية» من تفريغ حمولتها بسبب الطقس العاصف الذي يمنعها من الرسوّ في المرفأ، ومرة بسبب الأعطال التي طرأت على شبكة التمديدات الكهربائية نتيجة «النسمات» التي هبّت في اليوم السابق، ومرة بسبب امتناع وزير المال عن توقيع عقد شراء كمية إضافية من الفيول لغياب الاعتمادات المالية اللازمة، ومرة.. لكن النتيجة دائماً، هي انقطاع التيار الكهربائي، وظلمة يغفو عليها اللبنانيون.
منذ أن أبصرتُ النور في هذه الحياة وأنا أعيش تقنيناً متواصلاً في التيار الكهربائي. وفي كل مرحلة يتمّ ابتكار سبب جديد لفرض التقنين. وللتاريخ أقول: إن المرحلة الوحيدة التي شهدتُها دون المعاناة من انقطاع التيار الكهربائي كانت خلال عهد الرئيس رفيق الحريري (رحمه الله)، الذي نجح بتأمين الكهرباء على مدار الساعة في مدينة بيروت الكبرى، وبتقنين بسيط في مختلف المناطق الأخرى. وما زلت أذكر العدوان الإسرائيلي في نيسان 1996 حين استهدفت طائرات الاحتلال محطة توليد الكهرباء الرئيسية في منطقة بصاليم، فغرقت بيروت ومعظم المناطق اللبنانية في ظلام دامس. حينها استخدم الحريري صداقاته الشخصية وعلاقاته الخارجية واستقدم خلال أيام قليلة محطات توليد بديلة، ليعود التيار الكهربائي إلى سابق عهده تدريجياً.
مناسبة الحديث عن أزمة الكهرباء في لبنان - بينما الأزمة الحقيقية للكهرباء هي في قطاع غزة - هي التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها غير منطقة من لبنان (الضاحية الجنوبية وبيروت تحديداً) تحت عنوان الاعتراض على الانقطاع المتزايد في التيار الكهربائي. وقد تشهد الأيام القادمة انتقالاً لهذه المظاهر الاحتجاجية إلى مناطق أخرى، فالمراقبون يخشون أن تكون هذه التظاهرات والاحتجاجات – في الظاهر- هي الخطوة الممهّدة للخطوات التصعيدية التي ستقوم بها المعارضة على الأرض، تنفيذاً لوعد سماحة السيّد بأن قوى المعارضة «ستتحمل مسؤوليتها إذا فشلت الوساطات»، وهو سبق أن «تكرّم علينا» بمهلة عشرة أيام، لكن يبدو أننا لا نفهم بلغة الكلام، مما سيضطرّه ومن معه للشروع بإجراءات جديدة، والبدء بتحمل مسؤوليات المعارضة التي تتلخص بشلّ البلد عبر قطع الطرق، سعياً لحلّ عجقة السير، وإشعال الإطارات المطاطية بهدف تنقية الهواء والتخفيف من حدة التلوث، وتكسير حاويات النفايات وإفراغ محتوياتها في الشوارع للمساهمة في إبراز الوجه الحضاري للبنان، وإعطاء البعوض والجرذان فرصة لاستعراض ما تريد انتقاءه.
وكما فريق السلطة، كذلك قوى المعارضة أظهرت تمايزاً في تبرير أسباب «عرض عضلاتها» المفاجئ، والتلويح بإمكانياتها اللوجستية والميدانية والبشرية، فعنوان الاعتراض الآن هو الانقطاع المتزايد للتيار الكهربائي. ولكن ماذا لو نجحت الدولة في التخفيف من حدة التقنين؟ حينها يكون الخيار بالانتقال للخطة «ب» تظاهراً واحتجاجاً على غلاء سعر صفيحة المازوت أو البنزين. فإذا حُلّت يكون المخرج بالخطة «ج» احتجاجاً على تراجع المطاحن عن تسليم أفران الضاحية الجنوبية كمية الطحين التي يطالبون بها. فإذا حُلّت يكون بالخطة «د» تظاهرات واحتجاجات على ارتفاع سعر أونصة الذهب عالمياً. فإذا حُلّت فبالخطة «هـ» رفضاً ومعارضة لعزم الرئيس الفرنسي ساركوزي الزواج من عارضة الأزياء التي ظهرت صورها على غلاف إحدى المجلات عارية. وهكذا، كلما حُلّت أزمة جرى ابتكار أخرى، والانتقال الى عنوان جديد يبرّر التحرك على الأرض إلى أن تنتهي الأحرف الأبجدية.
رحم الله حسني البوراظان الذي قال «إذا أردت أن تعرف ماذا في إيطاليا، يجب عليك أن تعرف ماذا في البرازيل»، ويرحمني الله حين أقول «إذا أردت أن تعرف ماذا في لبنان.. يجب عليك أن تعرف ماذا في سوريا والسعودية والولايات المتحدة وإيران وفرنسا وربما إسرائيل».
|