|
الواقع الجديد الذي فرضه سكان غزة |
|
|
|
28/01/2008 |
|
أحمد منصور ـ الجزيرة توك
ما قام سكان قطاع غزة من إزالة للسور الحدودي بين غزة ومصر والذي تحول خلال الأشهر الماضية إلي سور سجن لسكان القطاع الذين يزيدون عن مليون ونصف المليون فلسطيني وضع كل الذين شاركوا فى جريمة الحصار لسكان غزة في مأزق وعلي رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة ،ورغم سعي الرئيس المصري لاستثمار الموقف إلا أن إعادة الأغلاق الجزئي للحدود يوم الجمعة ثم التراجع تحت الضغط والتدافع الفلسطيني أظهر حقيقة الذين تركوا إسرائيل تجوع الفلسطينيين أكثر من ستة أشهر ثم أصبحوا يتحدثون عن رفضهم للتجويع وقد كانوا شركاء فيه ،لقد نجح سكان غزة فى فرض واقع جديد علي المنطقة ، وسوف يجبرون كل الذين شاركوا في حصارهم علي القبول بهذا الواقع شاؤوا أم أبوا ..
، لأن هناك إرادة توقع الذين قاموا بالحصار أو شاركوا فيه أنها قد ماتت وهي إرادة الشعوب ، وكان واضحا لكل مراقب أنه لا أحد يستطيع أن يتحكم فى التدفق البشري الفلسطيني الهائل بين غزة ومصر إلا أن تكون هناك مجزرة كبري يصعب وصف نتائجها ، ومن ثم لم يكن هناك سوي القبول بهذا الواقع أو محاولة استثماره أو التعامل معه بشكل يقلل من تداعياته .
لقد أعطي بوش فى زيارته الأخيرة الي المنطقة الضوء الأخضر لأسرائيل حتى تقوم بفرض واقع جديد علي غزة والمنطقة ، لكن سكان غزة نجحوا حتى الآن في إجهاض هذا الواقع وفرضوا هم واقعهم الذي وضع الجميع أمام مأزق لا يعرفون كيف يتصرفون حياله ، ووجه دعوة لازال كثيرون يرفضونها حول ضرورة إعادة ترتيب الحقائق علي الأرض ، فالقوة وحدها لا تكفي لفرض الواقع علي الشعوب حتى وإن نجحت إلي حين .

ومن هنا يجب أن ندرك أن حرب الأستنزاف الأسرائيلية الأخيرة علي سكان غزة لم تكن وليدة سيطرة حركة حماس علي السلطة من خلال الأنتخابات التشريعية التى جرت فى يناير من العام 2006 ، ولم تكن وليدة سيطرة غزة علي القطاع وإدارته قبل ستة أشهر ، ولكنها بدأت بكل عنفها مع الأنتفاضة الثانية التى بدأت في العام 2000 ، حيث بدأت إسرائيل سياسة التجويع والحصار لسكان غزة من خلال حرب استنزاف طويلة علي المعابر فمنعت العمال من الخروج من القطاع للعمل خارجه ، ومنعت المرضي من الذهاب إلي المستشفيات ومات المئات علي المعابر نزفا وذلا وأخذت الحياة تضيق علي الناس يوما بعد يوم بين ظلم الأسرائيليين من ناحية وتخبط السلطة وسياستها الأمنية الداخلية من ناحية أخرى ، فتفشت فى المجتمع المشاكل والصراعات والأمراض التى تأكل المجتمعات وتدمرها ، لكن الفلسطينيون حاولوا مع كل هذا أن يقولوا للجميع ارحمونا لكن أحدا لم يرحمهم فقاموا تحت الجوع والضغط والقهر بفرض واقعهم علي الجميع ، أولا من خلال نتائج الأنتخابات التشريعية ثم من خلال فرض حماس لنفسها علي هذا الواقع ثم من خلال هدم الجدار الذي لم يكن سوي هدما لكل تلك الوسائل والأساليب الجائرة التى استخدمت ضدهم طوال السنوات والأشهر الماضية .
و مما لاشك فيه أن هدم الجدار لن يحل المشكلة لكنه حسب كثير من المراقبين سوف يفرض واقعا جديدا ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية المصري أن يدعو كلا من حماس والسلطة الفلسطينية للتباحث حول سياسة جديدة لأدارة المعابر ، وقد أشارت هذه الدعوة إلي أن سياسة ترحيل الأزمات التى تنتهجها دول المنطقة تجاه المشاكل المزمنة فيها ليست سياسة ناجعة ، ففي بعض الأحيان يفور المرجل بل وينفجر ويجبر الجميع علي أن يبحث عن مخرج ، المشكلة في قطاع غزة ليست في إطعام المحاصرين ، فهذا أهون ما في قطاع غزة رغم بشاعته ، لكن المشكلة هي مشكلة الحياة بكل أشكالها ومفرداتها هناك ، لقد ركضت الحكومات المتعاقبة وراء سلام هش مع إسرائيل دون أن تدرك العواقب الوخيمة لكل اتفاق لا يقوم علي العدل ومصالح الشعوب ، ورضوا من أجل الأمتيازات المؤقته التى يحصلون عليها أن يتواطئوا علي الشعوب ويرحلوا مشاكلها إلي الأجيال القادمة لكن المشاكل حينما تنفجر فى وجوه الجميع تفرض نفسها بل وتفرض واقعا جديدا ، لكن لا أحد يعلم حتى الآن كيف سيتبلور هذا الواقع الجديد الذي فرضه سكان غزة .
|