تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
عندما ينتصر النصابون والمشعوذون والمتسولون ! طباعة ارسال لصديق
27/01/2008
عبد الحليم غزالي ـ الجزيرة توك
سبق أن كتبت عن أن هناك فرزا عكسيا لاهتمامات المصريين في وسائل إعلامهم، ،في ظل غياب أهم القضايا عن الصدارة وأهمها استفحال الفقر والبطالة والمرض، في حين يجري شغلهم من جانب النخبة بقضايا لا تمس صميم معاناتهم اليومية وآلامهم المستبدة وإن كان ذلك لا يعني أن بعضها مصيري،مثل مسألة تعديل الدستور، و قضية توريث الحكم، إضافة إلى قضايا أخرى مضحكة مثل فتوى الرضاعة من الزميلة في العمل ولقد كتبت من زاوية ما يهم الناس من وجهة نظرهم هم ،وكان ما حركني للكتابة وقتها زيارات قمت بها لمدن و بلدات وقرى في شمال مصر وجنوبها إضافة إلى" مصر المختصرة"وهي القاهرة تلك المدينة الغرائبية المكتظة بكافة أشكال البشر.

واليوم أعود للكتابة عن المجتمع المصري العميق وليس ذلك الذي نراه مسطحا على شاشات وصفحات بعض القنوات والصحف الحكومية والخاصة ،حيث برامج الثرثرة أو ما يسمى ب "التوك شو "و المانشيتات والمقالات المثيرة التي خلق نجوما إعلاميين مزيفين يجيدون الكلام المصقول والأسئلة الملفقة،والحوارات المحلاة بالتفاهة والمملحة بإدعاءات الجدية و الخطورة!

وما يحركني للكتابة اليوم هو تقارير عن مصر المحروسة عن ظاهرتي الشعوذة والتسول وقصصا مدهشة عن ظاهرة النصب،وأجد أن ثلاثي الشعوذة والتسول والنصب ينسج جملا مفيدة في رصد التطورات المهمة في المجتمع المصري الذي يعد نتاج غزل فريد بين المجتمعات العربية والإسلامية بقدر ما يكون أحيانا مؤشرا على حالة الأمة بأكملها،ونظن أن أي تغيير تشهده مصر له انعكاسات على الأشقاء العرب وليس هذا جزءا من منظومة الكلام الإنشائي الممل عن مصر الريادة والقيادة الذي يثير السخرية في الكثير من الأوقات خاصة عندما يمثل تناقضا صارخا مع بعض معطيات واقع الحال،دون أن يعني ذلك التقليل من مكانة مصر الدولة والشعب والحضارة والثقافة التي هي وليدة تراكم تاريخي وحراك وحضاري ومعدن المصري الصقيل الذي يظهر في كثير من المواقف التي تحسب لمصر وأبنائها.


وأبدأ بالشعوذة حيث كثرت الأخبار عن اتجاه المصريين نحو الخرافات بشكل لافت،
حكايات مثيرة للضحك والحزن والسخرية وكافة أشكال ردود الفعل المتناقضة، وسبق أن كشف بحث أعده المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية المصري عن أن هناك 300 ألف مشعوذ في مصر وأن المصريين ينفقون عشرة مليارات جنيه على الشعوذة والدجل والخرافة،وقد أجري البحث عام2003 ،فما بالنا بما قد تكون الأمور آلت إليه في ظل تزايد معدلات الفقر والمرض، وهما عاملان يقودان للجوء للشعوذة والخرافة يضاف لهما الأمية التي يعاني منها أكثر من ثلث المصريين تقريبا،وهناك أيضا مشكلة العنوسة فآخر الإحصاءات تشير إلى وجود تسعة ملايين عانس في مصر وهذا رقم كبير ، وتعالوا نرسم هذه الصورة فقيرة أمية عانس لا تعمل لمن تلجأ إذا غابت الدولة والمجتمع الذي تتفاقم فيه الأنانية والفردية في ظل الضغوط الاقتصادية الهائلة ؟ لعلها لا تجد أقرب من دجال يدعي علاقته بالجن ، حيث يذهب بها إلى منطقة ما وراء العقل ويستنزف فقرها ويقاسمها قوتها من أجل أن تعيش دون أن تفقد عقلها أو شرفها أو روحها!

أما النصب فهو معادلة تشمل طرفين نصاب ومنصوب عليه ، نصاب يتسم بانعدام
الضمير والدهاء وخفة الحركة واليد ومنصوب عليه يتلبسه الوهم في الخروج من أزمة أو محنة،لقد قرأت وسمعت حكايات مدهشة عن النصب المتعلق بتوفير فرص عمل للمصريين في الدول الخليجية والأوروبية، وهنا نتوقف أمام فكرة أن نسبة كبيرة من المصريين ترى أن الحل خارجي وليس داخليا، وفي زيارتي الأخيرة لمصر داهمني الضيق والألم وأنا اسمع خريجي كليات جامعية محترمة يتمنون العمل في مهن مرهقة قليلة الدخل في الخارج ،وأحيانا باستخدام التعبير الدارج :"شوف لنا أي حاجة"،ولعل منطق" أي حاجة" اليائس هو الذي أدى لاستغلال بعض المصريين بشكل بشع في بعض الدول الشقيقة والصديقة.

وهناك نوع آخر من النصب الذي تتواتر قصصه من مصر خاص بأحلام الطبقة المتوسطة في الثراء،فيقعون في حبائل نصابين محترفين يزعمون "توليد الأموال"، بنفس طريقة ما جرى في كارثة توظيف الأموال المعروفة في الثمانينات

،والمدهش أن الكثيرين لا يتعلمون الدروس ويتم خداعهم بنفس الطريقة،"فالقطار يصدم هريدي و بسطويسي للمرة العاشرة"دون أن يعي حقائق الصدم والدهس في الرزق والقوت !

ولعل هذا يعود لمناخ يفتقد الناس فيه الثقة في الدولة ومؤسساتها بما في ذلك البنوك ، وحين تغيب الدولة ينشط النصابون، لكن الأخطر هو النصب على الدولة ذاتها ممثلة في البنوك وهذا هو الأضخم والأكبر حجما، فهناك إحصائية تشير لأن مصر تفقد سنويا 20 مليار جنيه في عمليات النصب على البنوك التي هي جزء من منظومة الفساد الرهيبة التي تنسج نشاطها العنكبوتي بسلاسة ونعومة في أجواء مواتية ، حيث تتوافر العوامل المثالية للفساد من حزب حاكم بسطوة الأمن لا الشرعية الشعبية ،ورجال أعمال يهيمنون على الحزب والحكومة سعيا لتعظيم مكاسبهم وموظفون بيراقراطيون و تكنوقراط يرغبون في الثراء السريع والفاحش سيرا على سنن قادتهم!

ونصل للتسول،حيث أفاد تقرير لمنظمة العمل الدولية أن مصر يوجد بها مليون متسول ينتشرون في الأماكن والمواصلات العامة وأمام أماكن العبادة دخلهم اليومي لا يقل عن 300 جنيه، وتبدأ أعمارهم من السادسة. وبحساب بسيط فإن هؤلاء المتسولون يحصلون على ما يقرب من 11 مليار جنيه سنويا،وبالقطع ليسوا جميعا أثرياء لأن هناك عصابات تقوم بتشغيل بعضهم وتحصل على أغلب ما ينالونه من أموال،لكننا أمام خرق آخر في جسد المجتمع المصري.

ما معنى تفاقم النصب والتسول والشعوذة،لعلنا نجد الملامح الآتية لواقعنا الاجتماعي:

أولا: تغييب العقل والعلم والقيم الدينية والعرفية الإيجابية فالظواهر الثالث يجمع بينها هذا العامل الخطير مما يعني أننا أمام دائرة من الكوارث الاجتماعية المتفاعلة بشكل مضطرد .

ثانيا: غياب الدولة والمؤسسات الدينية والنخبة المثقفة عن الفعل الإيجابي في المجتمع ،غياب في المقدمات والنتائج معا.

ثالثا: فشل المؤسسات التعليمية وتمدد الأمية ، الأمية الثقافية قبل التعليمية.

رابعا: انهيار قواعد رئيسية في تكوين المواطن المصري مما يعني إضعاف الدولة والمجتمع في المحصلة النهائية،والنيل من مصر الحضارة والثقافة والمكانة في محيطها الإقليمي.

خامسا: تفاقم الأزمة الاقتصادية وتزايد إفرازاتها الاجتماعية الخطيرة،وهذه الإفرازات تعمق الأزمة أيضا في حالة تبادلية مثيرة.

القضية أكبر من التناول في كلام مبسط ضمن مقال ، لكن مصر الحبيبة ،لها حقوق علينا و لعل في معانينا البسيطة ما يفيد!

التعليقات (0)add
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك
ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع