|
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك ـ بيروت
قطع حديثنا هاتفها، فحملته لتتلقى خبر الانفجار:
-صار انفجار؟ سألت المتصل بكل هدوء.
-...
-طيب ومات حدن؟
-...
-عقبال ما يموت اللي ببالي
هكذا بكل بساطة، وتغلق الهاتف لتخبرنا ان انفجارا قد حدث وأن الشخصية أمنية لكن لم تعرف بعد. لكن الخبر مر بشكل عادي جدا وعدنا لاستكمال حديثنا السابق. وبعد حوالي النصف ساعة، كان حديث من نوع آخر يدور حول موضوع الانفجار بين زميلين:
- اسمه وسام شي ...
-شو شكله طيب؟
-أمني بالجيش
-عرفنا أمني، قصدي شو شكله، سني شيعي مسيحي؟
-بيته عالدكوانة بس عالاغلب سني لان اسم ابوه محمود.
وقلت في نفسي: تشرفنا بالديانة! وكأن الديانة تعني الكثير، عندما يطل فجاة نواب تيار المستقبل بعد قليل، في وقت صلاة الجمعة، وهم المفترض أنهم "ممثلو السنة" في البلد ان يكونوا في الصلاة، ها هم يعزون بالفقيد "الشهيد". "الشهيد" الجديد "السني" ابن عكّار. ثم تعود بي الذاكرة إلى أسابيع قليلة مضت، كان اليوم جمعة كذلك، ولم يكن وقت الصلاة قد آن لكن النواب كانوا هذه المرة في الكنيسة يحضرون "قداس" "الشهيد" الآخر، "فرنسوا الحاج". عندها تساءلت في نفسي اذا كانوا سيتوجهون مباشرة من الكنيسة إلى المسجد أم كيف سيلحقون بصلاة الجمعة، فصلاة الجمعة ليست صلاة عادية، واقله على السياسيين ممن لا يصلوا ويمثلون السنة أن يصلوا الجمعة والعيد مع "ابناء طائفتهم".
وهذا الموضوع طبعا ليس دعوة للصلاة أو تشديد على فريضة الصلاة، فالدين خيار شخصي وايمان قلبي، وهذا الموضوع ليس كذلك استخفاف بخسارة هؤلاء الضحايا الذين يقتلون بهذه القنابل المجرمة المجهولة، لكنه استخفاف بهذا الاستخفاف الذي تلقاه الشعارات والرموز الدينية في بلادنا "الطائفية". فاما يتركوها وشانها اذ انها في معظم الاحيان لم تعد الا صفة على بطاقة الهوية مثلها مثل رقم السجل، او يعطوها حقها. لا ان يتركوها ولا يعرفوا منها الا ان فلانا سنيا وفلانا شيعيا وفلانا مسيحيا، وان هناك مقعد سني ومقعد ماروني ومقعد شيعي، وان رئيس الوزراء يجب ان يكون سني ورئيس الجمهورية ماروني وقائد الجيش مارني ورئيس مجلس النواب شيعي، ونسبة توزيع افراد قوات الامن نسبة كذا لكذا لكذا، وفي امتحانات دخول الوظائف الرسمية يجب اخذ كوتا من هذه الطائفة وكوتا من تلك وكوتا من تلك، وان هؤلاء يريدون ابادة اولئك، وان فريق "" يريد الغاء فريق "" ذو الديانة المختلفة، فماذا سيعني الغاءه لكم او الغاءكم له اذا كنتما الاثنين لا تمارسون ديانتكم او حتى لا تؤمنون؟ وماذا يعني ان يكون هناك عشرة مسلمين بالهوية وخمسة مسيحيين بالهوية اذا كانوا كلهم ملحدين؟ وأية كفاءة تعبر عنها صفة "مسلم سني" المشترطة للترشح لوظيفة كذا أو صفة "ماروني" ليكون مؤهلا لاستلام ذاك المنصب؟
نعم هي كلها بقايا من زمن طائفي، لم يترك لنا الا خبرة في الاسماء والطوائف من زمن الذبح على الهوية، حين كان الاسم جسر للموت او الحياة. فانت "علي" اذن انت شيعي تنجو على هذا الحاجز وتذبح على ذاك. وانت "جورج" مسيحي، تنجو على ذاك وتذبح على هذا. وانت من سكان صوفر، درزي، تذبح على الحاجز الفلاني وتمر من هناك. وانت يا من يسكن في بئر العبد شيعي طبعا وانت يا من اتى من المخيم فلسطيني... والتوطين مشكلة لانه يخل بالتوازن الطائفي بالبلد، ونبذ اتفاق الطائف جريمة كبرى، بل "خط احمر" ... وهذه العبارة التي ابدعوها وصارت لكل شيء تستعمل، "خط احمر"، فرئاسة الجمهورية "خط احمر" والجيش "خط احمر" وبيروت "خط احمر" والجامعة الفلانية كما يقول مسؤول احد الاحزاب "خط احمر" ...
انها نفسها الأمة التي دينها في فمها والتي وصفها ميخائيل نعيمة، تتكرر افعالها يوما بعد يوما وجيلا بعد جيل:
"ألعلّ بين ألسنة الناس هنا وبين آذانهم، ثمّ بين آذانهم وقلوبهم، مسافات كالتي تفصل الأرض عن زحل، فلا يسمعون ما يقولون، وان سمعوا فلا تنبض قلوبهم بما يسمعون؟
أسفي على هذه البلاد –بلادكم وبلادي- تؤثر بقاء فيه موتها على موت فيه حياتها. فتسعى وراء رزقها لا لغاية الا ليبقى لها النفس في صدرها. وتحافظ على النفس في صدرها لا لقصد الا لتبقى لها في مفاصلها حركة. وتحترس على الحركة في مفاصلها لا لمرمى أبعد من أن تسعى وراء رزقها.
ألا ليت ما في فمها من ايمان كان في قلبها اذن لما سيطر الموت على أفكارها ومشاعرها الى هذا الحد. واذن لما شاع مثل هذا الحزن، ومثل هذا الانسحاق في ناظريها و في صوتها، وفي كل حركة من حركاتها وسكنة من سكناتها. فمآتمها ضروب من اليأس الظافر والحزن المعتزّ بذاته. وأعراسها مآتم، وزغاريدها ولولة، وتهليلها اعوال، وضحكها بكاء جموح، وخمرتها دم مسفوح.
لو كان في قلبها مثل ما في فمها من الايمان لما كان هذا التكالب الذي نشهده فيها على الدرهم والدينار، ولما كان أبناؤها كالذئاب يفترس الأخ أخاه، ولا كالذباب يعيشون من قروح الناس وأوجاعهم. فلا يأنف من عنده ألف رغيف من أن ينتشل اللقمة من فم من ليس عنده رغيف واحد؛ ولا من عنده ألف ثوب من أن ينتزع الأسمال عن بدن المقرور ؛ ولا من يملك دارا بعد دار من أن يرفع السقف من فوق رأس ضرير فقير. فكأن لا قيمة للدماء المتفجرة من عروق البشرية شرقا وغربا، ولا معنى للزفرات المتصاعدة من صدورها. ولا مغزى للعبرات المنهمرة من مآقيها الا على قدر ما تتمكن هذه البلاد من تحويلها الى دنانير ودراهم. وكأن ما من وجه يلوح لها من خلال ما هو جارٍ في الأرض سوى وجه الفلس الصبيح العزيز. فيا ويلها من وجه ربها!
أقول ثانية –ألا ليت الدين الذي في فم بلادكم وبلادي كان في قلبها. لأن دينا تزرعونه في الفم دون القلب لدين لا يزهر ولا يثمر. وان أزهر فرياء فيه ألف وباء. وان أثمر فثمارا تعافها الملائكة ولا تستلذها الا الشياطين. وثماره تعصب يعمي البصيرة والبصر، وحقد ينهش شغاف القلب، ومرارة تتفشى في جوانب النفس فتقلب حقها باطلا ونورها ظلاما."
|
الى جنة الخلد يا وسام