|
أواب ابراهيم ـ الجزيرة توك ـ بيروت
بكل راحة وطمأنينة، تتابع يد الإجرام هوايتها في اصطياد واغتيال اللبنانيين، لاستخدامهم في توجيه رسائل لمن يعنيهم الأمر. فقد كان واضحاً أن الإنفجار الذي أودى بحياة ثلاثة مواطنين وأكثر من عشرين جريحاً في منطقة الكرنتينا قبل أيام هو رسالة مباشرة للولايات المتحدة الأميركية اختلف المحلّلون في تفسيرها. لكن المؤكد هو أن السلطات الأمنية ـ كعادتها - لم تتمكن من الإمساك بأي خيط قد يؤدي للإمساك بالفاعل، أو على الأقل يشير إلى هويته. وهي –كعادتها أيضاً- عمدت إلى توقيف العمال السوريين الذين صادفتهم في المكان، على اعتبار أنهم متهمون بديهيون، فالجنسية التي يحملونها قرينة تلقائية على ضلوعهم في ارتكاب الجريمة، إلى أن يثبت العكس.
رغم أن انفجار الكرنتينا كان الحدث الأمني الأبرز خلال الأسبوع المنصرم ..
إلا أن صدور القرار الظني في جريمة اغتيال القياديان في حركة الجهاد الإسلامي نضال ومحمود المجذوب (26/5/2006) أمام منزلهما في مدينة صيدا عبر تفجير سيارة مفخخة كان الحدث القضائي الأبرز، دون أن ينال حقه من الاهتمام وتسليط الأضواء، ودون أن يلفت نظر المعنيين لدلالات ما كشفه القرار الظني وانعكاساته على الوضع الأمني الراهن.
ليس تامجال متاحاً للبحث في تفاصيل ما كشف عنه القرار. لكنني سأضيء على بعض الأحداث التي أنصح المعنيين للاتعاظ منها في تحصين الساحة اللبنانية مما هو قادم.
معروف لدى الجميع أن العدو الإسرائيلي قام بتجنيد عملاء وتشكيل شبكات لمساندته في مراقبة وتسهيل وتنفيذ جرائمه في لبنان. وكان من بين هؤلاء الرقيب المتقاعد محمود رافع الذي بدأ عمالته منذ العام 1992 دون أن يلفت انتباه أحد. فتمّ تدريبه على استعمال أجهزة اتصالات خاصة تعمل بنظام الشيفرة التي يتلقاها عبر الراديو.. ويكشف القرار الظني الراحة والطمأنينة والتفوق الذي تتحرك فيه الشبكات الإسرائيلية دون أن يعترضها أحد. فالسيارة التي سيتمّ تفخيخها طلب ضابط إسرائيلي من رافع نقلها من مرآب مطار بيروت حيث ركنها عميل آخر –مازال طليقاً حتى الآن-.
استخدم رافع السيارة يوماً واحداً حيث توجّه بها –خلافاً لأوامر الضباط الإسرائيليين- إلى قريته الجنوبية حاصبيا، قبل أن يسلمها لعميل آخر اسمه حسين خطاب –مازال طليقاً-. ولولا استخدام رافع للسيارة –خلافاً للأوامر- لبقيت خيوط هذه الجريمة مجهولة حتى الساعة، حيث شاهد أبناء القرية رافع أثناء تجواله بالسيارة.
دخل ضابط إسرائيلي اسمه "ناتان" لبنان عبر قرية العديسة الجنوبية (للتذكير نحن في العام 2006 أي بعد الانسحاب الإسرائيلي وقبل انتشار قوات اليونيفيل). حيث كان بانتظاره العميل رافع، وكان يحمل باب سيارة مفخخاً شبيهاً بباب السيارة التي تمّ شراؤها. فتم استبدال الباب وجرى ركن السيارة أمام منزل الأخوين مجذوب حيث تم اغتيالهما.
المثير للانتباه أن العميل رافع والضابط الإسرائيلي غادرا مدينة صيدا بعد ارتكابهما الجريمة سالكين الطريق الجبلية عبر عدد من القرى والبلدات وصولاً إلى محلة الشويفات، حيث انتقلا لسيارة كان رافع ركنها مسبقاً، وتوجّها إلى أحد مطاعم منطقة جونية وبعدها إلى منطقة جبيل، حيث وصلت قوة كوماندوس إسرائيلية بحراً نقلت معها الضابط الإسرائيلي والأغراض التي استُعملت في التفجير.
ما أودّ التذكير به مجدداً أن ارتكاب الجريمة حصل في منتصف العام 2006، أي في خضمّ سلسلة التفجيرات التي استهدفت شخصيات سياسية. وكانت الأجهزة الأمنية آنذاك في ذروة استنفارها وجهوزيتها. إضافة إلى أن لجنة التحقيق الدولية كانت حينها تعمل بجهد في جمع القرائن والدلائل التي تساعد في التحقيقات، ورصد أي اختراق خارجي للساحة اللبنانية. علاوة على كل ما سبق، فإن أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله كان ألقى قبل يوم واحد من ارتكاب الجريمة خطاباً في احتفال لحزب الله في مدينة صور. وربما مرّت سيارة نصرالله بالقرب من سيارة الضابط الإسرائيلي دون أن يدرك الطرفان.
وفي تلخيص لما سبق، فإن ضابطاً إسرائيلياً دخل براً عبر الحدود الجنوبية، وارتكب جريمته وغادر المكان عبر عدد من القرى وصولاً إلى جبيل حيث كانت بانتظاره قوة كوماندوس إسرائيلية. كل ذلك يحصل والأجهزة الأمنية اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية وجهاز أمن حزب الله في ذروة استنفارهم ويقظتهم. بعد كل ذلك نستغرب عجز الأجهزة الأمنية عن الإمساك بخيوط الجرائم المتنقلة؟!
|