|
المقامــــر
أكرم الإمام ـ الجزيرة توك
إن أعظم آفات القمار خطراً هو قدرته علي العبث بهذه الفطرة الإنسانية التي جُبلت علي الاتزان تجاه حقائق المكسب والخسارة مستعينةً في ذلك بالحكمة الممزوجة بغريزة حب البقاء.
أي أن الإنسان إذا ما واجه نذر الخسائر فإنه يتراجع معيداً حساباته وقد يتنصل أو يتحايل أو حتى ينقض عهوده ,( كلٌ ميسر لمرجعيته العقلية والإنسانية والأخلاقية ).أما أن يرتمي في أحضان الخسارة كالمحموم فهذا يناقض الفطرة بلا شك وليس منها في شيء .
ولكن هكذا حال القمار والمقامر , فما أن يبدأ في الخسارة حتى تستولي عليه شهوة محمومة فيبدأ اللعب مرة أخري وكلما ازدادت خسائره زادت هذه الشهوة جموحاً وجنوناً حتى ملكت عليه نفسه وعقله فغمت أمام ناظريه الحدود الفاصلة بين المنطق والعبث....الحكمة والهوس..
كانت تباشير الخريف تدق الأبواب منذرةً بشتاء قارصٍ وقاسِ ,حين مدت طاولة القمار في منتجع ( كامب ديفيد ) في لأيام الأولي من شهر سبتمبر من العام 1978.
وكان قرار الرئيس السادات ان يستأسد بمقعد الوفد المصري وحده في مواجهة لاعبين محترفين دُربوا علي فهم لغة الأعين ورصد اختلاجات الأنفس وقراءة الأفكار.
وفيما فُرضت علي الطاولة قوانين لألعاب رفيعة المستوي لم تكن خبرة الرئيس السادات تتعدي العاب ( السيجة والتلت ورقات ) تلك التي خبرها في أزقة وحواري وموالد المحروسة .
وهكذا بدأت الخسائر تتوالي وبد أموسم التنازلات والتنزيلات.
ودب الفزع في نفس الوفد المصري وحاولوا في فترات الراحة بين دورات اللعب إثناء الرئيس عن مواصلة اللعبة التي فرض قوانينها لاعبو الطاولة المتمرسين والمحترفين ولكن خسائر الرجل كانت قد أطاشت صوابه وأطاحت باتزانه .
إن أخر ما يحتاجه المقامر المحموم هو النصح ,وهكذا كان الرئيس يصرخ في وجه كل من حاول إثناءه عن عزمه الاستمرار أو نصحه بالتريث, فكانوا يخرجون من جناحه الرئاسي واحداً تلو الأخر مهزومين منكسرين وإن عازمين علي مواصلة جولات التفاوض مع رئيسهم أولاً بحكم إحساس بالمسئولية التاريخية لم يُرد الكثير منهم أن يكونوا طرفاً في نتائجها .
وهكذا فرض علي الوفد أن يراقب سير اللعبة دون أن يكون له أي دور فيها , وقد أدركوا أن الرئيس قرر الاستمرار حتى ولو اضطر في نهاية الأمر إلي المقامرة بهم ...هم أنفسهم .
وكما لا يحتاج المقامر المحموم إلي النصح فانه يحتاج إلي التنجيم فقرب منه العرافين وهمس احدهم في أذنه " أن لا تخشي شيئاً سيدي الرئيس فقد جاءني هاتفٌ ليلاً أثناء نومي وقال لي ابلغ الرئيس انه علي الطريق الصحيح وان عليه أن يستمر".
وبغض النظر عن الأحكام الجازمة ....( صح وخطأ.....ابيض أو اسود.....ملاك أم شيطان ....الخ ) تلك لتي لا تصلح علي الإطلاق للرصد أو الحكم علي أحداث التاريخ , فالحق أقول لكم انه بحكم ملابسات الظرف التاريخي وحقائق ملامح شخصية الرئيس السادات وبحكم موسم الخسارات الذي بدأ دق طبوله فإن الرجل لم يكن قادراً علي التراجع بأي حال من الأحوال فاستمر صعوداً إلي حافة الهاوية وقضي الأمر الذي فيه تستفتون .
ولقد رأي اللاعبون المتمرسون انه ربما كان من الخطأ قتل الرجل بدفعه من علي حافة الهاوية فإن هذا سيخيف لاعبين آخرين في المنطقة هم هدفهم القادم , وارتأوا انه يمكن إعطائه بعض مظاهر المكسب بما أنهم قد ربحوا و احتفظوا في خزائنهم بمفاتيح أغلال المارد المصري إلي فترة طويلة قادمة من الزمن.
عاد الرئيس السادات من كامب ديفيد منهكاً إنهاكا تاماً وممتلئاً بشعور عظيم بالوحدة.
وحدةٌ أخذت دائرتها تتسع يوماً بعد يوم .
صحيح أن الرجل قد التف حوله عدد كبير ممن هللوا وباركوا خطواته في كامب ديفيد ولكن خبرة الرجل كانت تعرف أن هذه الحلقات الهشة من المنتفعين لا يعول عليها , فكان يبحث بين الحشود عن تلك الوجوه التي إن باركت وثبته الثانية أعطته مفتاح التاريخ ووضعت درعاً أخر علي حائط انتصاراته يصطف جنباً إلي جنب مع نصره الأول .
ولكن شيئاً من هذا لم يحدث فقد بهتت الوجوه في الضباب الذي أخذ يتكاثف علي مسرح الحياة السياسية في مصر مذ ذاك الوقت .
وقد علم المتسلقون والمتزلفون أحلام الرجل ومبتغاه وأرادوا منه القرب فبادروا إلي محاولات تعويضه عن تلك الوجوه بأن خلعوا عليه الألقاب العديدة كلقب (بطل الحرب والسلام) علها تهدئ من روعه وتقنعه أن التاريخ قد قبِل به كُلاً كاملاً .
ولكن روع الرجل لم يهدئ بل ازداد توتره إلي درجة كبيرة واخذ يفقد سيطرته علي أعصابه وردود أفعاله شيئاً فشيء هذه السيطرة التي وسمت وميزت شخصيته طوال تاريخه السياسي والنضالي , هذه السيطرة التي كانت وراء قرار الحرب والتي في رأي الكثيرين كانت أقوي بل وأهم أسباب الانتصار في حرب أكتوبر 73.
وكان فقده لهذه السيطرة ملحوظاً من الجميع ,وعلي شاشات التلفاز بدأ الرجل الهجوم علي محدثيه ومنتقديه وكال لهم السباب .
ونتيجةً لهذا التوتر فقد أخذت دائرة من يثق بهم الرجل تتقلص شيئاً فشيء , وبرغم المتزلفين فقد انحسرت مساحتها حتى ما عادت تحوي إلا أهل بيته وأقاربه والمنجمين وبعض مهرجي القصر ممن أطلق عليهم ( صحفيين ).
وساد الهرج والمرج أهل المحروسة فاختلط الحابل بالنابل , وأرسلت الذئاب عملائها إلي أسفل الوادي فأيقظت الضباع – أبشع وأخس مخلوقات الوادي – من ثباتها فخرجت من الكهوف التي لزمتها لفترات طويلة من الزمن حين كان الأمن يسود ربوع الوادي وكان بأس أهله علي أعدائهم وليس بينهم .
إن الفزع والخوف هما آفة الشعوب ( الحشود والجماهير ) فانه إذا استمكن ساس جموعهم علي غير هدي أو دليل كما تساس قطعان الحيوانات البرية المرتعبة ( يحسبون كل صيحةٍ عليهم ).
واستفز أهل الوادي خروج الضباع علي هذا النحو المفاجئ , فأخذوا يفزعون إلي كل مكان وفي كل اتجاه علي غير هدي , وأرسل الذئاب عملائهم مرة أخري إلي أسفل الوادي متنكرين بزي الحملان فأخذوا ينفثون سمومهم في أذان الناس ملبسين عليهم أمرهم .
فاشتعلت الحرائق ونهبت الدور والمحال ودمرت مرافق الدولة ...وانتشرت في الأجواء رائحة الموت..
فماذا حدث ...؟
يتبع ..
|
ي