|
أواب ابراهيم ـ الجزيرة توك ـ بيروت
هذا ما كان ينقصنا حتى تكتمل بلوتنا. وكأنّ المصائب التي حلّت باللبنانيين لم تكن تكفيهم، حتى يطلّ شاكر العبسي من مخبئه المجهول، ليلقي التحية عليهم ببحّة صوته الشجية، معيداً لأذهانهم جرح نهر البارد النازف، بكل تقيّحاته وإفرازاته، التي مازال أبناء المخيم يعيشون فصولها حتى اليوم، وإلى أمد غير منظور.."فالكلمة الأولى بعد ملحمة مخيم نهر البارد"التي وجّهها شاكر العبسي من خلال رسالة صوتية -حملت عنوان "نذير ونفير"- تستحق منا بعض التوقف والتأمل. لاسيما أنها جاءت متزامنة مع حادثيْن تشير القرائن الأوّلية إلى مسؤولية تنظيمات إسلامية عنها. الأول إطلاق صاروخيْ كاتيوشا على الأراضي المحتلة، والآخر استهداف سيارة لليونيفل بعبوة ناسفة قرب صيدا أسفرت عن جرح ثلاثة جنود..
لم تسنح لي الفرصة للاستماع إلى الرسالة العبسية كاملة، التي –وحسب ما نشرته وسائل الإعلام- فإنها تزيد عن 57 دقيقة. لكنني بذلت جهدي لتجميع مقتطفات لأبرز ما تضمنته هذه الرسالة، ومحاولة قراءة مابين سطورها.
بداية، ألفت عناية قرائي الأعزاء إلى أنه لاينبغي الجزم بأن من تحدث في الرسالة الصوتية هو نفسه شاكر العبسي. فعلى الرغم من أن هذا الاحتمال ضئيل جداً، لكنه وارد. وأنصح بترك هامش ولو ضيّق، يُفسح المجال أمام احتمال أن يكون العبسي قُتل في معارك نهر البارد، وأن من يتحدث في الرسالة الصوتية شخص آخر.
احتمال آخر وهو سيفرح الذين يؤمنون بنظرية "المؤامرة"، الذين يصرّون على تبعية تنظيم فتح الإسلام لأجهزة استخبارات خارجية. مفاد هذه النظرية أن العبسي أراد من رسالته الصوتية المساهمة في دعم وصول قائد الجيش العماد ميشال سليمان لسدة الرئاسة. فهو أفرد جزءاً أساسياً من رسالته لانتقاد سليمان واتهامه والتهجّم عليه. واصفاً المعارك التي دارت في مخيم نهر البارد بأنها كانت "بين فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، فئة ترفع راية الرحمن وفئة ترفع راية ميشال سليمان". واتهم في مكان آخر قائد الجيش بأنه قرر مواصلة المعارك بعد تدخل الولايات المتحدة ووعْدِها له بكرسي الرئاسة. ويختم العبسي دعمه للعماد سليمان قائلاً "هاهو المخيم دُمّر بالكامل وأهله مشردون وميشال سليمان يجلس فوق الجماجم على كرسي الرئاسة".
فالعبسي باتهاماته وأوصافه هذه قدم هدية ثمينة للعماد ميشال سليمان، لاسيما في هذه المرحلة التي يستعد فيها الأخير لمغادرة مكتبه في وزارة الدفاع نزولاً إلى قصر بعبدا. فهذه الاتهامات أكدت للعالم الدور الذي لعبه سليمان في القضاء على تنظيم فتح الإسلام، والجهود التي بذلها للتخلص من هذه الظاهرة بشكل نهائي.. وفي هذا المقام يصحّ قول الشاعر "إذا أتتك مذمّتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل".
أمر آخر ورد في الرسالة العبسية تستحق التوقف.

فعلى فرض كذب جميع المعلومات التي وردت في رسالة "أبو حسين"، إلا أننا لانخسر شيئاً لو دققنا فيها. فالعبسي تبرأ من تهمة إطلاق صواريخ الكاتيوشا على القرى والبلدات المحيطة بنهر البارد خلال الأيام الأخيرة من المعارك. وهو يتّهم الجيش اللبناني بذلك قائلاً "إنه لمحض كذب، كان جيش الصليب يطلق على هذه القرى ليوقع بين المسلمين..لقد بذل الطغاة كل جهودهم للوقيعة بيننا وبينكم لمّا عرفوا صدق دعوتنا وخطورتها عليهم لمنعنا من الوصول إليكم"، وكأن اللبنانيين كانوا بحاجة لسقوط الصواريخ فوق رؤوسهم ليحسموا موقفهم بمعاداة فتح الإسلام. لكن كما سبق وذكرت فإن هذه المعلومة تستحق ممن يعنيهم الأمر التحقيق فيها.
57 دقيقة تتطرق خلالها العبسي إلى مواضيع مختلفة، فهو لم ينسَ توجيه التحية إلى "الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله ورعاه وجعله شجناً في حلوق الطغاة"، وهو حرص على الإشادة بـ"إخوتنا في الأرض المباركة في بيت المقدس من أبطال فتح الإسلام الذين فتح الله عليهم في عمليتهم الأولى المباركة"، لكن ماغاب عن ذهنه هو توجيه العزاء والمواساة لأكثر من 400 شهيد سقطوا خلال المعارك "الصليبية". الملفت أن معظم هؤلاء الشهداء مسلمون سنّة ممّن وصفهم في رسالته بـ"الأنصار"، لاسيما أفراد الجيش اللبناني "الصليبي"، الذين تكاد لاتخلو قرية أو بلدة لبنانية من وجود شهيد من أبنائها قاتَل في عداد هذا الجيش.
|