|
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك - بيروت
قالت متذمرة متأففة، "اوف سمعت كمان اليوم شو قال ضربوا صاروخين على إسرائيل، يي عليهم" ... ولا أدري لماذا رنت كلماتها في أذني، بالذات عبارتها الأخيرة، "يي عليهم"، ورغم أني أعلم تماما أن هذه العملية ليست عملية أصلا، وأنها مفتعلة أو "حركة" مدسوسة في الأغلب، إلا أن مجرد جملة "يي عليهم" لأنهم ضربوا صاروخاً على إسرائيل شيء يستحق التوقف عنده.
فصديقتي هذه ليست أية صديقة تقول هذه الكلمات، لكنها صديقتي المقربة، عرفتها طول عمري مثلي، فلماذا "زل لسانها" مثل هذه الزلة؟
ثم أدركت أن هذه الجملة ليست انفعال الحادث (اطلاق الصاروخين) بقدر ما تعكس الكثير من المتغيرات في عالمنا. ولعله من الأفضل أن أقول بداية هنا أني بنا الجماعة لا أقصد نحن بالذات، بل الأغلبية في مجتمعاتنا. وهذه الـ "نحن" تعكس أقوالها وأفكارها، أنـ"نا":
أولا أننا ما عدنا في حالة حرب مع إسرائيل وأن إسرائيل ليست عدوتنا إلا إذا قامت بضربنا مباشرة بالصواريخ أو قتلت أطفالنا، أي أن إسرائيل عدوة "موسمية" في مواسم المذابح والمجازر والدمار. ولحين هذا ننتظر ....
ثانياً، أنه من الأفضل لنا ألا نقوم بأية "أفعال حمقاء" أو "حركات ما الها عازة" أو "تصرفات غير محسوبة تجر البلد إلى الدمار" ... وهذه طبعاً كلها من صفات المقاومة المسلحة، أو ما صار يعرف بالعنف والارهاب من قبل الميليشيات. وحده ارهاب واحد مسموح وسلاح واحد يستعمل لقتل أي كان دون محاسبة او رقابة، وهذه هو ارهاب اسرائيل. لكنه ليس ارهاب ميليشيات كما في حالة المقاومة عند حماس وحزب الله ... انه "دفاع" جيش الدفاع الاسرائيلي عن أراضيه -التي احتلها!-، وضد من؟ ضد أصحابها الحقيقيين....
ثالثاً، اننا مخيرون بين الدمار والازدهار والأمان، بتخييرنا بين المقاومة و"السلام" الذي يسمونه سلام، أي عملية المفاوضات، مع أنه لا أدري على ماذا يحاول العرب المفاوضة مع إسرائيل وهم لا يملكون أية نقطة قوة .. فنقطة القوة الوحيدة التي من الممكن الضغط بها على إسرائيل هي المقاومة المسلحة، وبما أن الحكومات العربية بما فيها الفلسطينية تقوم شاكرة بهذا دون انتظار ثمن أو شكر من اسرئيل، أي كما يقولون في العامية "بس كرمال سواد عيون الأمن الإسرائيلي" أو ربما بـ "حق الجيرة"، هكذا خدمة بدون مقابل، فلماذا تهتم إسرائيل بـ"السلام" أو تحسب حسابا للدول العربية؟
واكتفيت بهذه الثلاثة التي خطرت على بالي في لحظات قليلة ثم أفقت من شرودي وعدت لاستئناف الحديث مع صديقتي ممازحة إياها، "مبين صرت بتقولي يي عليهم عشان ضربوا صاروخ على إسرائيل؟ ما تكون تحطمت آمال السلام؟" ... فقالت لي "لا، بس ما بدنا يخربوا البلد مرة تانية، ما ناقصنا مشاكل" وهنا لم أملك إلا أن أكمل مزاحي، لكنه جدّ ... واقع يشبه "شر البلية ما يضحك" إذ أننا نحن فعلا ..لا ينقصنا مشاكل" لكن لسبب واحد فقط هو أن كل المشاكل موجودة أصلاً، وعليه لعله وعلى عكس كل من يقول ان جملة "ما ناقصنا مشاكل" هي سبب لوقف المقاومة، فان جملة "ما ناقصنا مشاكل" بدلالتها على أن كل المشاكل موجودة هي ربما المنطق الأكثر عقلانية للاستمرار بالمقاومة (مع تاكيدي مجددا للنقطة الذي ذكرتها في البداية أن حادث اطلاق هذين الصاروخين ليس فعل مقاومة بطبيعته المشكوك بأمرها)، بل ربما بامكاننا اليوم شن حرب شاملة على اسرائيل فلا شيء لدينا لنخسره، وعليه ان إسرائيل ستحاول جاهدة التفتيش عن أي شيء تنتصر به علينا أو "تقهرنا به" أو "تخربه لنا" لكنها للأسف لن تجد فطرقاتنا كلها محفورة وكهرباؤنا أصلا مقطوعة والغلاء موجود موجود وفي ازدياد والاقتصاد بحركة البيع والشراء في ركود والهجرة في ازدياد حتى الرئيس غير موجود والحكومة معطلة والبرلمان لا يجتمع فلا حياة سياسية تعطلها ولا حياة اقتصادية تدمرها ولا حياة اجتماعية تحرمها لمواطنين غارقين في الهموم والمشاكل أصلاً ...
وفعلاً يا صديقتي، بمقاومة أو بدون مقاومة، وبإسرائيل أو بدون إسرائيل، "ما ناقصنا مشاكل" فكله موجود والحمد لله "خيرنا كفاية" ...
|