|
مغالطات وزيرة ..وضلالات قوة عظمى !(1) |
|
|
|
08/01/2008 |
|
عبد الحليم غزالي - الجزيرة توك
في مؤتمر صحفي عقدته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قبل أيام بمناسبة قرب انقضاء عام 2007 ،وصفت سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم في هذا العام بالإيجابية وقالت إنها كانت ناجحة، وعددت رايس مظاهر النجاح بالتغيير الذي رأت أنه حدث في العراق، وبرعاية إدارة الرئيس جورج بوش لمؤتمر أنابوليس، وبمواصلة ممارسة ضغوط على إيران واستصدار قرار ثان بفرض عقوبات عليها،وبتقديم الدعم للموالاة في لبنان لتهميش من وصتهم بالعناصر المتطرفة.
ومما قالته رايس إن الوضع في أفغانستان على ما يرام، وأن من الإنجازات في آسيا تخلي الرئيس الباكستاني برفيز مشرف عن بزته العسكرية وقراره إجراء انتخابات برلمانية في العام الجديد و إن الولايات المتحدة واصلت مساعيها لنشر الرخاء والديمقراطية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية،والخلاصة أن رايس رسمت صورة لا أقول وردية ولكنها انطوت على عمليات تجميل فاقعة ، والأخطر هو أننا أمام مغالطات وزيرة هي تعبير جلي عما يمكن بضلالات قوة عظمى لا تريد أن تسمع أو ترى النتائج الكارثية لسياستها الخارجية التي خلقت حالة من الرفض والعداء للولايات المتحدة على المستوى الشعبي في العالم لم يسبق لها مثيل بالإضافة إلى حالة رفض من جانب العديد من الدول على امتداد الكرة الأرضية !
ولنبدأ بالعراق ، حيث اعترفت رايس في المؤتمر ذاته بأن الوضع هناك هش،ومع ذلك يظل هذا التعبير أقل من رسم صورة صحيحة لدولة ممزقة وشعب متناحر،يرزح تحت الفقر والجهل والمرض،ولا يوجد عراقي عاقل يقول إن الوضع هذا العام أفضل مما سبقه إلا عند الحديث عن مستوى إجرائي مثل قدرة الناس على الخروج للشوارع في بغداد وبعض المدن الأخرى أحيانا والتنقل في بعض المناطق أو التجول في الأسواق بعض الوقت ،ربما تجد رايس لكلام الإيجابي فقط عند أفراد الطبقة الانتهازية المنتفعة التي أثرت من تدمير البلاد وذبح العباد!
ولعلنا نتساءل هل تعتبر رايس أن نهج الصحوات المتمثل في تسليح المدنيين لمواجهة المقاومة والجماعات المتطرفة بما في ذلك من مخاطر مستقبلية حذرت منه الحكومة العراقية ذاتها هو الحل؟،هل يمكن تجاهل الورطة التي تحدث عنها قائد القوات الأمريكية السابق الجنرال ريكاردو سانشيز حيث وصفها بأنها" كابوس لانهاية له"،ثم ما هو الأفق السياسي للخروج من الوضع الراهن حيث القتل والخراب سيدا الموقف حتى مع الحديث عن انخفاض مستوى العنف، ولا نظن أن لدى إدارة بوش أية خطة عملية قابلة للنجاح،فالعراق الآن أشبه بالتيه العظيم يقود أبناءه ومعهم الأمريكيين المتورطين فيه من فقد إلى آخر!
نأتي لمؤتمر أنابوليس والعملية التفاوضية المارثونية التالية له،حيث نرى بوادر ورايات فشله في البدايات ، إسرائيل تغازل الفلسطينيين بمشروعات استيطانية ،و تظهر ودها بموجة من القتل في غزة!، والأهم هو أن غالبية الإسرائيليين والفلسطينيين لا ترى أملا يرجى من نتائج مؤتمر حشدت له الأقوام بالعصي والجزر،وهو على أكثر تقدير محاولة يائسة من "أسوا رئيس في تاريخ الولايات المتحدة" حسب وصف المفكر والعالم الغوي اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي،محاولة تستجدي مجدا عصيا في ظل غياب كلي لمبدأ التنازلات والحلول الوسط لدى الطرف الإسرائيلي الأقوى.
فيما يخص إيران فالعقوبات التي تحدثت عنها رايس لم تقد لوقف برنامجها النووي ولا حتى تعطيله بل أعلنت طهران مؤخرا عن قرب عقد مناقصة لإقامة 19 محطة نووية ،أما عرض تطبيع العلاقات مع طهران مقابل وقف تخصيب اليورانيوم الذي طرحته رايس في المؤتمر الصحفي ذاته لم تجد فيه إيران إغراء مقبولا.
والحق أن هناك تخبطا من جانب واشنطن في التعامل مع إيران ، اتضح في صدور التقرير الأخير للمخابرات الوطنية الأمريكية الذي كشف عن وقف إيران لبرنامجها النووي العسكري منذ عام 2003،حيث أثار تساؤلات مهمة عن أسباب تشدد بوش تجاه طهران رغم هذه المعلومات، حيث حذر بوش قبل شهور قليلة من محرقة(هولوكوست)نووية في حالة امتلاك إيران التكنولوجيا التي تمكنها من تصنيع أسلحة نووية، والملاحظ استخدام تعبير المحرقة،وهو يعكس تعاظم دور العامل الإسرائيلي في الملف النووي الإيراني.
والمثير أن هناك تقارير عن بدء تعاون إيراني أمريكي في العراق في الفترة الأخيرة ،شمل وقف طهران تزويد مليشيات شيعية موالية لها بالسلاح وتوفير التدريب لعناصرها، والحق أن العلاقات الأمريكية الإيرانية مركبة و لا يمكن قراءتها من زاوية التصعيد فقط فواشنطن تمارس لعبة مزدوجة إن لم تكن متعددة الأوجه في التعامل مع إيران .
نأتي للسياسة الأمريكية في لبنان وهي بحق ترقى لدرجة الفضيحة،فمع قرب نجاح المبادرة الفرنسية لتحقيق توافق بين قوى الموالاة والمعارضة حول اختيار قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا للبلاد ،إذا بالإدارة الأمريكية ترسل مساعد وزير ة الخارجية ديفيد وولش إلى بيروت ليطلق التهديدات في وجه المعارضة، ويكمل بوش الفضيحة بدعوته لانتخاب رئيس من جانب البرلمان وفقا لمبدأ النصف زائد واحد ،بعد أن قال إن صبره تجاه الرئيس السوري بشار الأسد قد نفد متهما دمشق بتعطيل عملية اختيار الرئيس.
وكان لهذين الموقف الأمريكيين وقع سيء للغاية ،حيث أظهرا دعما للموالاة يضرها ولا ينفعها حيث يظهرها بمظهر الدمية التي تحركها واشنطن بالتصريحات والكلمات، كما حمل استعداء غير مبرر لسوريا في توقيت حساس،وكان منطقيا أن ترفض الموالاة دعوة بوش ، وأن تعود المعارضة للتشدد ، بعد الجهود المضنية التي بذلتها أطراف خارجية وداخلية للخروج من مأزق فراغ منصب الرئيس قبل نهاية العام الجاري، ثم إن السياسة التي تحدث عنها رايس لم تؤد إلى عزل المتطرفين في نظر واشنطن وتحديدا حزب الله الذي هو الآن أكثر قوة عن ذي قبل، سياسيا وعسكريا.
ولعلنا نسترجع هنا كلام رايس عن الشرق الأوسط الجديد خلال حرب يوليو تموز عام 2006 ،فلا تشكيل جديدا ظهر كمحصلة لهذه الحرب، ولا حزب الله اقتلع من الخريطة اللبنانية كما توهمت واشنطن عندما حرضت رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت على مواصلة الحرب على لبنان أملا في كسر عظامه، أو إثارة اللبنانيين ضده بتصويره على أنه جالب الشر والدمار إلى بلادهم من أجل حرمان إيران من ورقة تمتلكها في مواجهتها مع واشنطن وتل أبيب، وثبت أن التوجه كان خاطئا ومبنيا على حسابات عسكرية وسياسية ، وخرج حزب الله من الحرب منتصرا وتبخرت فكرة الشرق الأوسط الجديد تماما مثل فكرة الشرق الأوسط الموسع التي طرحها بوش عام 2004 وها هي الآن مجرد منتدى لحوارات قليلة القيمة بين الغرب والعالم الإسلامي!
وهنا لابد من التوقف تجاه الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط،التي كان العام الفائت أحد مراحل تطبيقها،لقد تبلورت في الآتي:أولا تقسيم دول العالم العربي والإسلامي الموجدة في المنطقة إلى أخيار وأشرار و معتدلين ومتطرفين،وسنة وشيعة، ودعم الأخيار والمعتدلين والسنة على حساب الشيعة ربما باستثناء العراق ويضمن هذا التقسيم تبعية بعض الدول للولايات المتحدة بما يحقق مصالحها الإستراتيجية،وثانيا:تقديم أمن إسرائيل ومصالحها على أية منافع أخرى ،وثالثا :تامين تدفق البترول إلى الغرب.
وهذه المبادئ ناقضها تقرير بيكر -هاملتون الصادر في ديسمبر عام 2006 حيث أكد ضرورة الانخراط في تعاون بناء مع سوريا والعراق وتقديم إغراءات ومحفزات لهما، والعمل على تحقيق سلام شامل في المنطقة،وحل القضية الفلسطينية وفقا لقرار مجلس الأمن رقمي 242و338 ،ومبدأ الأرض مقابل السلام، مع التذكير بأن التقرير الذي جرى إعداده بتكليف من بوش لكل من وزير الخارجية السبق جيمس بيكر والسناتور المحنك لي هاملتون جاء في إطار السعي للخروج من مأزق العراق.
وفي كل الأحوال فقد عقدت السياسة الخارجية الأمريكية الأوضاع في الشرق الأوسط، وتشابكت القضية الفلسطينية مع الوضع في لبنان والمسألة العراقية ودعم إسرائيل والسعي لتأمين تدفق النفط الخليجي للغرب والملف النووي الإيراني والتعامل مع سوريا، ومكافحة ما يسمى بالإرهاب والتطرف والمساعي الرامية لتحقيق قدر من الديمقراطية والإصلاح، وأصبحت كل هذه الخيوط في حاجة إلى فك الارتباط بينها ،وإلى سياسة أخرى واقعية ومثمرة،وللحديث بقية إن شاء الله
|