تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
ثقافة المقاومة كمظلة جامعة -2 طباعة ارسال لصديق
08/01/2008
الــوثبـــة
أكرم الإمام ـ الجزيرة توك
قفزت الشخصية المصرية ألي آفاق وضفاف بعيدة في شخصيتها قبل أن تقفز إلي الضفة الشرقية لقناة السويس في السادس من أكتوبر عام 1973..كانت وثبة بلغت حداً من الرشاقة أثار دهشة العالم ,أما الشخصية المصرية فقد عرفت عن نفسها شيئاً جديدا، كان النصر رائعاً في كيفه ..محدوداً في كمه, فالكيف وليد المرونة والكم تحدده القوة.
وهذا حال الشعب المصري.. مرنٌ بلا قوة , موهوبٌ بلا إدارة , متكيفٌ بلا تنظيم.
عمت الفرحة البلاد والعباد ...أقيمت الأفراح وأبدعت الأغاني في وصف الانتصار, والراصد للأحداث يدرك أن الفرحة والنشوة قد أخذت من المشاعر كل مأخذ بل سيطرت وتحكمت وهي السلاح المزدوج ...ماذا يعني هذا..؟؟
يعني ببساطة أن من خبروا تكاليف الحياة يدركون أن الانتصار يتبع انتصار يليه أخر وان النصر لا يوقف التاريخ عند لحظة مهما بلغت عظمتها وان أي انتصار ليس نهاية الطريق.
ولكن كان كل شيء في مصر مرهوناً إلي لحظة الانتصار هذه .. كل شيء .

وفيما كانت أصوات الاحتفالات تخفت شيئاً فشيئاً ولم يبقي منها إلا أصدائها تتردد في الإذاعة والتلفاز أو علي صفحات الجرائد.كان الجميع يهرب من السؤال.. ,وماذا بعد..؟
وكانت فئتان تراقبان باهتمام ..(أمناء المعبد و المتربصون )
كان الرئيس أنور السادات الأقرب إلي مطابقة الشخصية المصرية أكثر ممن سبقه أو لحقه.. كان رجلاً عركتة الحياة وعركها وانصهرت في شخصيته أطياف أخلاقية عدة رسمت ملامح شخصيته.

فأكسبته ثقافةُ الشارع ... سعةً في الحيلة.. وفهماً لشخصية التاجر..علمته التكيف مع شظف العيش وأكسبته القدرة علي المراوغة ...وصقلت تلك الثقافة ثقافة أدبية رفيعة ( بحد ) ألهبت خياله ورفعت سقف طموحاته.,,,, وفيما علمه السجن وانتظار المصير المجهول فضيلة العزلة مغلفةً بمسحة إيمانية صوفية, علمته الحياة العسكرية حسابات القوة , والتخطيط مغلفةً بمسحة ديكتاتورية,فصنع انصهار هذه الثقافات في بوتقة واحدة شخصية ملامسة لحدود الأضداد , متكيفة مع المتناقضات بشكل مثير.
 
فكان الأقرب بحكم موقعة السياسي علي الأقل إلي إدراك السؤال قبل غيره,,,,وماذا بعد...؟؟
وكان هذا السؤال لا يجد له معين ويدور في فُلك ساحةٍ سياسية خلت من الممارسات الفعلية للأطياف الحزبية والعقائدية لسنوات طويلة وفي ظل غياب مظلة الثقافة الجامعة كما بينا من قبل لم يبقي إلا حسابات المكسب والخسارة في أضيق صورها.


فروج اليسار بأطيافه إلي أن النصر إنما كان نتاج لتحالف قوي الشعب بفئاته الفقيرة والمستضعفة والتي كانت هي وقود المعركة.
 

أما الأطياف العقائدية الإسلامية فأعلنت أن الالتفاف حول راية( الله اكبر) كان وراء النصر وكان الزاد الروحي الذي أعطي الفعل القتالي إلهاماتٍ كبري.
 

إما العلمانيون فقد رأوا أن التخطيط الدقيق والاستغلال الأمثل للموارد هو السر وراء الانتصار العظيم.
وربما كان الجميع علي حق , ولكن الساحة الخالية من رؤىً جدية للمستقبل لم تكن تسمح باقتسام مكاسب الانتصار .

 

كان الرئيس السادات يدرك( سذاجة) محاولات السطو علي هذا الانتصار من قبل هذه القوي والأطياف لأنه انتصارٌ مرهونٌ لحكم التاريخ وليس للشعارات, ومع هذا فقد تعامل بعقلية التاجر مع كل هذه التيارات فأخذ يمني ويعد ...يقبض ويبسط ...يسمح ويمنع في محاولة لكسب الوقت وتطبيق ما أطلق عليه وقتها لعبة التوازنات السياسية.

أدرك الرئيس السادات ان الوضع لا يمكن أن يستمر علي ما هو عليه وان استمراره يعني خسارة حتى المكسب الذي رُهنت له مقدرات الشعب المصري والتي كانت في مجملها صغيرة.

كان الوضع مأزوماً إلي درجة خطيرة في تلك الفترة فالحرب وبرغم الاحتفالات لم تضع أوزارها وكان مصيرها ومصير المكاسب التي تحققت معلقاً في الزمن القادم وكانت مصر قد استنفدت كامل طاقتها في الوثبة الأولى .


كانت خطوات المستقبل لا تبدو واضحة وزاد الطريق يبدو قليلاً إلي حد مخيف.. كما كانت كل آليات البناء التي يمكن الاعتماد عليها تقريباً شبة معطلة فقناة السويس لم تسترد عافيتها ,.والأمر يحتاج إلي زمن ونصرا خر نهائي لإعادة الثقة في شريان الحياة هذا. 

وكانت البيروقراطية والفساد الإداري ينخر أساس المؤسسات الصناعية الكبرى بعد إقصاء الكفاءات وعبث الجهلاء طوال حقبة طويلة مضت . 

بنية أساسية هي في حقيقتها كارثة بيئية واقتصادية بكل المقاييس وتبدو مسخاً موغلاً في القبح أمام أي استثمار ممكن .

أسس تعليمية اعتمدت انتقائية المناهج سياسة فابتعدت بوعي أو بدون عن الأخذ بأسباب التقدم العلمي والتكنولوجي التي كانت أجراس عصره تدق نواقيسها في العالم المتقدم.
 

وكان موسم الهجرات إلي دول النفط قد بدأ باستقطاب العمالة الرشيدة وشرائح كبيرة من الطبقة الوسطي الحافظة والحاضنة لقيم المجتمع وأحلامه. 

أما العقل العلمي فقد يمم شطر أوروبا وأمريكا اللتان كان استقطاب العقول فيهما سياسة تستقرا وتستشف أسباب ومقومات الصراع الحضاري القادم . 

كان الوقت يمر والرؤية ضبابية إلي حد يثير الأعصاب , وأدرك الرئيس السادات بحس المغامر المراوغ أن الأمر أصبح في حاجة إلي وثبة أخري تستغل صورة الانتصار قبل ان تبهت في الأعين و الأذهان أو تفاجأُها تقلبات الأحداث فتنزع عنها رونقها . 

لم تكن تلك الوثبة كسابقتها واضحة الأهداف محددة الاتجاه ...كانت وثبةٌ مقامِرة في ظلام دامس .
وكان زادها قليلٌ جداً إلا من أصداء إعجاب بالوثبة الأولي وقليل من وعود لا تملك مصر منها حقيقةً الشيء الكثير وكان التاجر فيه يري في الأعين عروضاً بالشراء وكان يدرك أن مخازنه خاوية وان علية أن يلعب دور التاجر الذي يستطيع أن يخفي حقيقة بضاعته , ولم يكن الشاري بمثل هذا الغباء كان يعرف بغيته جيداً وكان يدرك أن البضاعة تستحق الثمن وان لم يدرك التاجر قيمتها الحقيقة ..( كانت اللعبة كلها محزنةٌ ومأساوية إلي حد كبير ).
 
أما الوثبة .....المغَامرة ....المقَامرة...المجدِفة في بحر الظلام فقد حطت في مطار تل أبيب ...!!!
إن المراقب لمظاهر الحالة النفسية للرئيس السادات في فترة المفاوضات في كامب ديفيد وما تلاها يدرك أن الرجل قد استنفذ كل طاقة ممكنة في هذه الوثبة وأُنهِك إنهاكاً شديداً وهو ما سيبدو جلياً عليه بعد ذلك .
 

وكانت المفاوضات في كامب ديفيد تقودها ملامح شخصية الرئيس السادات قبل أن تقودها سياسات دولة أو أهداف استراتيجية مؤسساتية , وكانت مشاهد حزم الحقائب ثم فتحها ثم حزمها ثم فتحها ابلغ صورة علي ذلك .
 

كما كان صراخ الرئيس في وجه الوسطاء طوال فترة الاستحقاقات التي تلت تلك المفاوضات -"ماذا يريدون مني أكثر من ذلك ....ألا يدركون حجم المجازفة التي قمت بها ....يجب أن يبدأوا في إعطائِنا شيئاً ....."- تعكس إحساساً حقيقياً بأن الرجل يدرك انه قامر بكل شيء ...تاريخه النضالي ومستقبله السياسي بل قامر حتى بالانتصار .....وفي منطقةٍ بعيدة في لا وعيه كان يدرك انه قامر بالمعبد والثمرة المتحوصلة..
وكما اختلفت التيارات والأطياف السياسية في اقتسام غنائم الوثبة الأولي اختلفت في ردود فعلها حول الوثبة الثانية .

فاليساريون عقدت الدهشةُ ألسنتهم وأصيبوا بالفزع وقد أدركوا أنهم الفريسة المقبلة وأنهم احد الكروت القوية في لعبة المقامرة هذه . 

أما الإسلاميون فقد وجدوا في الرجل ضالتهم عن الطاغوت الأكبر والخائن الأعظم الذي أضاع دولة الإسلام.
وأما العلمانيون المتشدقون بالمرجعية الإنسانية للأخلاق و البعيدة عن ممارستهم الفعلية ...المدركين لحقيقة أن القوانين البشرية الوضعية في حقيقتها وتطبيقاتها إنما وضعت لتحكم الضعيف لا القوي ....الفقير لا الغني فقد هللوا للوثبة وباركوها.

وهكذا انقسم المجتمع المصري علي نفسه وانقطع الامتداد الطبيعي بين ماضية ومستقبله بلحظة تاريخية في حاضره حملت مبضع جراح فأصابت شريان حياة اعتقد الرئيس السادات انه ربما يكون هو مصدر الألم.

وفيما أمناء المعبد وحراسه مشغولون بفك الشفرة للثمرة المتحوصلة إذ نادي منادي أن الغيث قد انقشع قبل آن يصل إلي الأرض المجدبة وان الذئاب أحاطت بالوادي من كل مكان وكانت حالة لم يختبرها الحراس والأمناء من قبل وبالرغم من تدريبهم الجيد ومهمتهم الواضحة ألا يتركوا أماكنهم حتى لو قيل أن الوادي يفني عن بكرة أبيه فقد حملوا أسلحتهم وتركوا أبواب المعبد هابطين إلي الوادي في لحظةِ غفلة عن التاريخ .

وكان هناك من يراقب المعبد من بعيد وقد لمعت عيناه في الظلام الذي أحاط بالوادي وسال لعابه علي الغنيمة التي لا تقدر بثمن ....فماذا حدث...؟؟؟

يتبع...

 
  
التعليقات (0)add
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك
ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع