|
أحمد منصور ـ الجزيرة توك
جلست أنتظر الكاتب والشاعر أدونيس فى إحدي مقاهي باريس التى حددها لي وحينما جاء كان يحمل كتابا فى يده وضعه علي الطاولة حتى يخلع معطفه و يرتب جلسته حيث كان يحمل معه حقيبة صغيرة ومعطفا ثقيلا يناسب الأجواء الباردة في باريس ، سألته بعدما جلس فقلت له : " أولا أخبرني ماهذا الكتاب ؟ " فأجاب : " هذا كتاب المترو " فقلت له : " تعريف جميل .. و عن أي موضوع تقرأ فى المترو؟ " قال : " في علم النفس " ، فقلت له متعجبا : " علم النفس فى المترو ؟ ! وهل جو المترو يسمح بأن تقرأ كتابا في علم النفس " قال أدونيس " إنه أنسب مكان تقرأ فيه عن علم النفس بل وعن كل العلوم الأخري " ، ثم دخلنا في حديث مطول ليس عن موضوع الكتاب وإنما عن ثقافة المترو ، فقد أبلغني أنه عادة لا يركب سيارة وإنما يفضل أن يتنقل مثل كثير من الباريسيين فى المترو..
، وأن كل دقيقة يقضيها في المترو مثل معظم ركاب المترو يقضيها فى القراءة ، فالكل يقرأ ولا تكاد تسمع سوي صوت المترو وهو يتحرك أو يتوقف ، ومن ثم فإن كما كبيرا من الكتب قد قرأها في المترو ، دفعني هذا الأمر للبحث فى هذه الظاهرة التى تنتشر فى الغرب بشكل كبير ، فوجدت أنها جزء من ثقافة المجتمع

مجتمع يربي أبناءه علي القراءة وعلي الفهم من الصغر وعلي استثمار الوقت فى القراءة والبحث والمعرفة حتى لو كان هذا الوقت فى المترو ، قراءة أي شيء وأي علم حتى انتشر ما يسمي بـ " كتاب المترو " وهي عادة الطبعات الشعبية للكتب التى عادة ما تطرح طبعتها الأولي بغلاف فخم وسعر مرتفع أما طبعة المترو فعادة ما تكون بغلاف خفيف وسعر متاح للجميع ، كذلك انتشرت ظاهرة " صحيفة المترو " ففي لندن الآن أكثر من ست صحف توزع كلها مجانا في محطات المترو وقد بدأت بصحيفة المترو التى أصبحت تنافس الصحف اليومية ، ورغم أنها خفيفة الظلال في موضوعاتها وتغطياتها إلا أنك تكاد تري الجميع يقرؤونها فى المترو ، حيث أنها توزع مجانا وتعتمد علي الإعلانات كعائد رئيسيي لها ، وحينما نجحت صحيفة " المترو " لحقتها صحف أخري تنهج نهجها ، وصلت إلي ست صحف حسب آخر زيارة لي إلي لندن في نوفمبر الماضي 2007 ، ولعل نجاح التجربة يمكن أن يؤهلها للمزيد ، فمنها صحف صباحية وأخري مسائية ، بحيث أن كل من هو في طريقه للعمل يستطيع الحصول علي الصحف الصباحية بينما يحصل علي الصحف المسائية في طريق عودته ، وقد تخطت هذه الصحف التوزيع في محطات المترو إلي الشوارع والميادين الرئيسية ، أما في ألمانيا فحينما دخلت مكتبة لبيع الصحف في محطة قطار برلين فقد هالني حجم ونوعية المجلات والصحف التى تصدر هناك فى كل مجالات الحياة ، ولا تجد مسافرا إلا وفي يده شيء صحيفة أو كتاب أو مجلة يقرؤها إلا ما ندر ، وقد انتشرت صحف المترو المجانية فى معظم المدن الأوروبية الآن .
أذكر أني حينما قابلت أدونيس فى باريس وحدثني عن كتاب المترو وثقافة المترو ، التقيت بعده بالزميل الدكتور أحمد يوسف الكاتب ومراسل صحيفة الأهرام في باريس فأخبرني أنه أثناء دراسته لدرجة الدكتوراه كان يراجع كثيرا من المصادر ويستقي كثيرا من المعلومات في المترو أثناء ذهابه وإيابه من البيت إلي الجامعة والعمل ، حتى أنه في كثيرمن الأحيان لم يكن ينتبه إلا والمترو قد وصل إلي المحطة الأخيرة وأن محطته قد فاتته و هذا الأمر يتكرر كثيرا ليس معه وإنما مع كثيرين ممن يندمجون فى قراءاتهم في المترو ، حتى أنه قال لي بدعابة " لولا فضل المترو علي ما حصلت علي درجة الدكتوراه " .

الأمر علي العكس تماما فى بلادنا ، فالمواصلات العامة لا يركبها إلا غير القادرين علي امتلاك سيارة أو يملكون أجرة تاكسي حتى لو كان من بقايا أنواع السيارات المتهالكة مثل تاكسي القاهرة ، وبالتالي فهي جزء من العذاب اليومي لهؤلاء لاسيما فى المدن الكبري المزدحمة مثل القاهرة والخرطوم والدار البيضاء وغيرها ، إلا أن المواصلات العامة فى معظم الدول الغربية هي لكل طبقات المجتمع ، فعمدة لندن علي سبيل المثال لا يركب سوي المترو في ذهابة وإيابه من وإلي عمله ليس وحده وإنما كثير من المسئولين وأساتذة الجامعات ومعظم طبقات المجتمع يركبون المترو وحينما كنت فى النمسا وجدت الوزراء يركبون الموصلات العامة لأنهم يستثمرون الوقت فيها وفي نفس الوقت يحافظون علي أوقاتهم وارتباطاتهم كما أن الموصلات العامة هناك لاسيما المترو يتميز بالنظافة والخصوصية مقارنة بما يمكن أن نراه في بلادنا ، ولأن الوزير أو المسئول هناك هو مواطن عادي حصل علي هذا المنصب لخدمة المواطنين والمجتمع وليس من أجل الحصول علي الأمتيازات الخاصة والنهب والسلب ، من ثم فإنه مسئول أمام الشعب لذلك فإن من يراه من الشعب يكتفي بتحيته مثل تحية أي شخص ودون أي إزعاج له ، وأذكر أني حينما التقيت مع الزعيم النمساوي الشهير يورج هايدر في العام 2002 وكان يعتبر حينها الحاكم الحقيقي للنمسا كان لقاؤنا في أحد المطاعم فى كارنتيا مسقط رأسه في جنوب النمسا ، وكان هو حاكمها فحينما دخل المطعم وكنت قد سبقته إليه مع مساعده دخل مثل أي شخص عادي ، لم يقم أحد من الناس من مقعده لتحيته وإنما أومأ إلي الناس وهم ردوا عليه التحية ، ثم أخذ مقعده علي طاولتنا .

ثقافة المترو فى الغرب دفعتني لعمل مقارنة بين ثقافة المترو فى الدول الغربية وثقافة المترو فى بلادنا فتعمدت أن أركب مترو الأنفاق في القاهرة ، ولم أكن قد ركبته منذ أكثر من عشرين عاما لاسيما وأن الكثيرين أبلغوني أنه يعتبر من أفضل المواصلات العامة في مصر حيث انهارت معظم المواصلات العامة في مصر بل وحتى الخاصة مثل التاكسي مثل انهيار معظم جوانب الحياة ، وكان انهيارها من أسباب حصول مصر علي صفر المونديال الشهير ، كان ما لفت نظري حينما ركتب المترو هو أنه بدلا من ثقافة القراءة والأطلاع والخصوصية واستثمار الوقت فيما هو نافع ، كانت هناك ثفاقات أخري غالبة أهمها ثقافة " الثرثرة " والأصوات المرتفعة فتشعر أنك فى سوق ولست فى وسيلة مواصلات بحيث أنك يمكن أن تلقي شخصا للمرة الأولي فتعرف منه قصة حياته خلال رحلة نصف ساعة بالمترو لست وحدك وإنما يشاركك الآخرون في الأستماع " كله علي الهواء " تلك الثرثرة التى جعلت أحد سائقي المترو في الشهر الماضي ديسمبر 2007 يخرج من كبينته الملاصقة لعربة السيدات ويصرخ فيهن أن يكففن عن الثرثرة حتى يستطيع أن يقوم بعمله في قيادة المترو ، وبينما كان منشغلا عن قيادة المترو ويصرخ فيهن غيظا من ارتفاع أصواتهن بالثرثرة وقع حادث للمترو كاد أن يؤدي إلي كارثة وقد دفع هذا الحادث إدارة مترو أنفاق القاهرة إلي أن تقرر نقل العربة المخصصة للسيدات إلي وسط المترو ، حتى يمارسن فيها " ثقافة الثرثرة " دون التأثير علي سائقي المترو ومنعا لأسباب الحوادث مستقبلا ، نزلت من مترو الأنفاق في القاهرة بعد نصف ساعة وأنا حزين ، لكني لم أخرج من المحطة وإنما وجدت أريكة خالية علي الرصيف جلست عليها مهموما وأنا أقارن وأفكر في ثقافة المترو .
|
http://naqed.info/forums/index...ntry14300
أدعو الأستاذ أحمد لقراءة هذا الموضوع:
حوار بين حمار (أجلكم الله) وزعيم إحدى الدول " الإسلامية"
منقول: تراب ـ منتدى العقاب
http://naqed.info/forums/index.php?showtopic=3544&pid=14280&st=0entry14280
khaled01