|
مذكرات صحفي معتقل - قبل الختام .. (24 )
حسين دلي ـ الجزيرة توك ـ خاص
كنا قبل أن تحط بنا الطائرة نترقب متوجسين مما سمعنا عنه من الجحيم المنتظر وأن الأمريكان ينقلون إلى معتقل سوسة من يريدون أن يقهروه بكل فرصة ممكنة وكان المعسكر السابق للجيش العراقي (سوسة) هو المكان الذي يراد أن يكون له - ألكتراز العراقي - .قد لا يتصور أحد حجم المهانة والإذلال الذي تعرض له المعتقلون من لحظة وصولهم إلى سوسة وإلى أن يأذن الله لهم بإطلاق سراحهم ،فمن نزع الملابس والتفتيش إلى اتخاذ جلسة القرفصاء حتى تقع من شدة التعب وليس آخرها تقييد اليدين والقدمين بسلاسل ضيقة وليس آخرها المحاجر..
افتتح معسكر سوسة عام 1977 كقاعدة للجيش العراقي ويقع على مفترق طرق بين مدينتي كركوك والسليمانية ويتبع الأخيرة إدارياً ،ثم أهمل بعد أحداث عام 91 وما تبعها من اضطرابات شابت المنطقة الكردية إبان تمردهم على النظام السابق ..
ثم مرحلة تمتع هذه المنطقة بشبه الحكم الذاتي برعاية الأمريكان بعد ذلك وكانت هذه المنطقة على مرمى النيران بين الجيش العراقي الذي يسيطر على كركوك وقوات البيشمركة التي تسيطر على السليمانية ،أما بعد عام 2003 فقد استأجرت الأمم المتحدة المعسكر لعمليات نزع الألغام المنتشرة في المنطقة حتى اتخاذه معسكر اعتقال من القوات الأمريكية بعد اكتظاظ المعسكرات الباقية في بوكا وأبي غريب وكروبر وغيرها بالمعتقلين،أما سبب اختيار هذا المكان عن غيره فيرجع لامتلاء سجن بوكا من جهة ولسيطرة الأكراد على سوسة فهو بمكان آمن من جهة أخرى، خاصة بعد تعرض عدد من المعتقلات لهجمات متعددة من قبل الجماعات المسلحة وآخرها ما الهجوم على معسكر بادوش في مدينة الموصل الذي تديره القوات العراقية وحرر في وقته 150 معتقلاً من مسلحي القاعدة وباقي الجماعات .
يتكون المعسكر من طابقين على شكل حرفU باللغة الإنجليزية ويتألف من نحو 40 قاعة معزولة بعضها عن البعض ولا يسمح بالتكلم بين المعتقلين عبرها .ويديرها الأمريكان مع مساعدة بالأشغال فقط دون القرارات من جنود أكراد كانوا يحاولون إظهار التملق للهم للأسف الشديد مع الأهانة التي لا يتورع الأمريكان من توجيهها لهم إذا ما بدر منهم أي خطأ.
تضم كل قاعة نحو 35 معتقلاً يفترشون مساحة 5X6 م وهي بالكاد تكفي للنوم ويقطع القاعة خط أحمر في ثلثها الأول فإذا ما دخل جندي أمريكي يجب على المعتقلين التجمع خلف هذا الخط حتى لو كان نائماً وفي منتصف الليل، وكثيراً ما يتعمد الجنود القدوم في الليل لأتفه الأسباب.
يغلق القاعة بابين كبيرين أحدهما داخل القاعة والآخر يطل على الممر الخارجي للطابق وفي القاعة فتحة صغيرة في إحدى زاويتيها الخلفيتين لتفريغ الرطوبة والروائح وعلى الزاوية الثانية تقع –المبولات- أجلكم الله وهي تستعمل وقوفاً لأن الحمامات التي تقع بين البابين لا يسمح بدخولها إلا ثلاث مرات باليوم بعد الوجبات فقط مهما كانت الظروف وهو ماسبب معاناة مريرة مع أربعين معتقلاً تتفوت أفعال أجسامهم الوظيفية،، ولك أخي القاريء أن تعرف حجم المأساة حين يمنع الجسم من حاجة ضرورية له وكانت هذه من أكبر الانتهاكات التي تعرضنا لها خاصة بعد تعرض العديد منا لمرض الإسهال بسبب رداءة الأكل بل إن الأمر تعدى لوضع دواء مسهل في الأكل كما علمنا من جدالنا مع الضباط المسؤولين وعندها علمنا ما يخبئون لنا في هذا المعتقل، بالإضافة إلى ساعتين نمضيها خارج القاعات نستغلها في المشي تحت الشمس داخل جدران في الطابق الأرضي ،أما الجنود فيستغلونها لتفتيش القاعات وقلب الفرش بعضها على بعض، وقد نتناول الغداء خارجاً أو فور رجوعنا للقاعة حسب وقت الخروج،لأن الأوقات تتفاوت بين القاعات مرة في الساعة الثامنة وأخرى في الساعة العاشرة والعشاء يأتي مع وقت الغروب أما الماء فكان يعطى لكل معتقل أربعة لترات يومية للشرب والغسل.
بعد اكتمال عددنا في القاعة رأينا خليطاً من المعتقلين من المخيمات العشرة في بوكا وقد بدأنا مرحلة التعارف ثم اختار بعض الإخوة الشيخ عمار المشهداني ليكون أميراً على القاعة وكان منا الموافقة على ذلك الاختيار كما تم اختيار الأخ عمر ليكون مسؤولاً إدارياً عن القاعة .
يبدو أن ما كنا نتوقعه من سوء المعاملة التي سمعنا به لم يتأخر إذ كان الجنود الأمريكيون الذين كانوا ينتمون لوحدة من القوات الجوية يتحينون الفرص لمضايقة المعتقلين ،ولم يمر أكثر من ثلاثة أيام حتى حدثت مشادة عنيفة بين أحد الجنود وأبو عبد الله أحد الإخوة المعتقلين على خلفية مشكلة الحمامات فتدخلت لأفض النزاع كوني أمتلك بعض اللغة الإنجليزية لكنني فوجئت برد عنيف وصياح مقصود من ذلك الجندي تدخل على إثره مسؤول الشفت الأمريكي ،وبالطبع كان الحكم لمصلحة الجندي وبعد مداولات لربع ساعة حضر أحد الضباط برتبة (لفتينانت) أي ملازم فأمرونا بالخروج من القاعة أنا والأخ ابو عبد الله وبسرعة حضر جنود الشغب والمحاجر فنقلنا مقنعين بدون رؤية عبر ممرات ونزولا من الطابق الثاني الذي كنا نسجن فيه إلى قاعات المحاجر الضيقة جداً والتي لا تتجاوز متر ونصف عرضاً ومترين ونصف طولاً والمرحاض من ضمنها.
بقيت ليومين في برد السليمانية القارس من دون أي فراش أو غطاء وكان الطعام يدخل إلي من فتحة ضيقة بالباب أما صلاتنا فكانت تقديراً ، ثم قرروا أن ينقلوني إلى ما نسميه بالمحجر السياحي حيث مترين ونصف عرضاً وثلاثة ونصف طولاً مع ارتفاع السقف ومشبك بالباب يتيح لك رؤية أشعة الشمس إذ كانت القاعات متراصة مع بعضها بشكل دائري وساحة وسطها مفتوحة على السماء ومع إمكانية أن ترى الشمس بخروج لمدة نصف ساعة ويبدو أن سياسة المحاجر إحدى فعاليات سوسة المهمة لأنني فهمت من كلامي مع أحد الجنود أن رسالة مهمة وصلت لهم للتعامل بقسوة مع من يعتبر خطراً ومتعنتاً بيد أن محادثة بسيطة معه استدعت نداءه لجنود موجودين منه لما علموا أنني من أهالي الفلوجة وبتعجب يحكي لي أحدهم عن تفاخره بالقتال في مدينة الكرمة شمال شرقي الفلوجة وخروجه سليماً من تلك المدينة.
كانت فترة عصيبة لكننا كنا نستغل أوقاتنا في المحاجر بقراءة القرآن والنوم ووننادي أي معتقل يسمع صوتنا ونتعارف ونسأل عن حال القاعات وأسماء المعتقلين كلاً بحسب قاعته في أوقات فراغ القاعات من الجنود وتفاجأت عندما سمعت صوت الشيخ عمار فقد جلبوه هو الآخر للمحاجر بعد اتهامه بتحريض المعتقلين.

أمضيت نحو عشرين يوماً في المحاجر ثم عدت إلى القاعة مزهواً واستقبلني الإخوة بالأحضان وكان الأخ ابو عبدالله قد سبقني بالرجوع قبل يومين وبعد فترة حان الدور على الأخ عمر مسؤول القاعة ليأخذ دوره في المحاجر أو ما تسمى بمصنع الرجال فقد اصطدم هو الآخر مع أحد الجنود بسبب الطعام ،وهنا حاولت الاتفاق مع بعض الإخوة لتولي إدارة القاعة لكنها عادت ولفت لتستقر علي بعد رفض الإخوة توليها ولكوني ألم ببعض الإنجليزية وعلى علاقة طيبة مع كل من في القاعة ولأنني من متوسطي الأعمار فقبلت مرة ثانية مرغماً وأنا الذي عزمت على ألا أعود لها بعد المخيم السادس ولكن رأي الجماعة لا يخالف، وبالفعل حاولنا تقديم شكاوى ضد الجنود وسوء معاملتهم بعد كثرة من يؤخذ للمحاجر من القاعات فاتفقنا عبر رسائل سرية للقاعات ذلك فضلاً عن تقديم طلبات لمعرفة قضايانا ومصيرنا .
كانت مسألة الحمامات والماء البارد في عز الشتاء مشكلة تمنع المعتقلين من الاغتسال إلا للضرورة فضلاً عن الملابس التي يعاد تدويرها بين القاعات وهو ماسبب مشكلة الحساسية الجلدية التي كانت برفقة الإسهال أكثر الأمراض انتشاراً حتى أطباء المعتقل اشتكوا من كثرة الحالات الواردة عليهم.
بعد مضي أكثر من شهرين أقبل عيد الأضحى علينا وطلبنا السماح لنا بإقامة الصلاة لأنهم يرفضون التجمع لأكثر من أربعة أشخاص خارج الصلاة ولأنهم لا يعرفون شيئاً اسمه صلاة العيد وأقمنا الصلاة لكن جندياً ظالماً حاقداً علينا اشتكى علينا ولأنني من صليت العيد بالإخوة فقد طلب مني الخروج لمصنع الرجال مرة أخرى.
|