|
مريم عيتاني ـ الجزيرة توك ـ بيروت
هي أيام قلائل، يجمعون لها كل ما تبقى في قلوبهم من قدرة على الفرح، كل ما تبقى لهم من قدرة على إسعاد أطفالهم، ومن قدرة على نسيان همومهم ومشاكلهم، وللكثيرين كل ما استطاعوا من جمعه من مال لادخال الفرحة على اولادهم بلعبة او بثياب جديدة ولحلوى العيد والعيديات.
انه العيد ...لحظات الفرح التي لطالما انتظرناها صغارا، لكننا عندما كبرنا صرنا ننتظره أقل، ونفرح فيه أقل، ككل الأفراح الطفولية الاخرى.
انه العيد، ودائماً "ينعاد عليكم بالخير والصحة والأفضل"، لكن حالنا لا يظهر انه "من أفضل لأفضل" فهل ما زالت فرحة العيد الأقوى والأقدر رغم الواقع؟
-1-
تبدأ لحظات العيد الأولى من المساجد، في تكبيرات العيد.
وهناك تكون المعايدات الأولى بين الرجال والشباب والأطفال، بعد صلاة العيد.
وكونها "صلاة موسمية" بخلاف صلاة الجمعة "الأسبوعية" أو الصلوات اليومية، فان صلاة العيد تلقى اقبالا من الكثيرين ممن لا يصلون الصلوات الأخرى رغم كونها سنة وكون الصلوات الأخرى فريضة. وهكذا تختلط العبادة بالعادة عند الكثيرين، لكن الحرص عند البعض موجود عليها كعبادة، مثلها مثل الأضحية.
-2-
"معمول العيد" (كعك العيد) صنف الضيافة الأبرز في العيد، بثلاثيته: التمر، الفستق والجوز. وعادة تتجمع العائلة قبل العيد لصنع المعمول، أما اليوم فالغالب شراؤه جاهزاً من محال الحلويات.

-3-
العيديّات، جمع عيديّة، وهي اكرامية العيد، تمنح عادة للأطفال من نقود وهدايا. ليست مجرد ذلك، ففي خطواتهم الأولى واجتماعياتهم الأولى، تكون العيدية بوابتهم الى المجتمع. "لازم تسلّم ليطلع لك عيدية أو هدية" ... ثيابهم الجديدة والزاهية، حقائب اليد الصغيرة التي تحملها البنات، وربطات العنق الطفولية الجميلة على أعناق الصبيان، أحذيتهم، نظراتهم، حركاتهم، تشعرك أنهم "كبار صغار" ... أنهم في عالم الكبار، لكن ضمن عالم طفولتهم الواسع والبريء. كل ما يرونه من عالم الكبار هذه المظاهر التي يحبون أن يكونوا جزءاً منها وان يقلدوها.
-4-
وفي العيد، تجتمع العائلات، في الزيارات أو على موائد الطعام في منزل كبير العائلة (الجد والجدة أو العم-الخال الأكبر ...) حيث تكون مناسبة لرؤية الكل والاطمئنان على احوال الكل في عالم سريع ومشغول، يكاد الانسان فيه ينسى نفسه وأقرب الناس اليه.
-5-
لكن طيات الأحاديث واقع مختلف عن واقع العيد. واقع استطاع حتى أن يطال هذه العادات، بهمّيّن هما الأبرز حالياً على الساحة المحلية، الأزمة السياسية وشغور منصب الرئاسة، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية من غلاء وانقطاع كهرباء وتراجع في الخدمات وغياب الامن وتفاقم المشاكل الاجتماعية العديدة.
-6-
العيد هذا العام كان ثلاثة أعياد: الأربعاء عيد للسنة، الخميس لقسم من الشيعة، والجمعة للقسم الآخر. وصارت أيام العيد الأربعة أسبوعاً.
قسمت الفرحة ثلاثاً ... وقسمت العطل ثلاثاً ... وقسمت الأمة مئات الأقسام وقسمت القلوب والانتماءات آلافاً.
-7-
والعيد فرحة.
فرحة تذكرنا بها الخطوات الكثيرة لأحذية جديدة على الطرقات حركة السيارات. فرحة تذكرنا بها أصوات الألعاب النارية ليلاً. فرحة يجبرنا الأطفال من حولنا أن نحياها، وأحيانا كثيرة على طريقتهم الجميلة والبريئة، على طريقتنا عندما كنا أطفالاً.
هي كل ما تبقّى ...
هي فرحة، لكنها بين البسمات المرسومة على الوجوه، وتمنيات الخير على الشفاه، رسوم أخرى لمستقبل غامض وقلق، ولأيام لا نملك أن نعرف ماذا تجلب إلا إذا عشناها.
وبدلاً من انتظار العيد، صارت الناس تنتظر ما بعد العيد، فالعيد ليس الا حالة طارئة مؤقتة من النسيان والعطل؛ ليس الا استراحة بانتظار الآتي، أما فرحته، فتركوا نشوتها للصغار إذ لا قدرة لهم هم عليها مع كل ما يحصل حولهم، وتركوا لأنفسهم بسمات وأمنيات ومعايدات تأمل دائماً الخير، وتقول دائماً، ينعاد عليكم بالخير ....
|