|
التاريخ لا يتسع للتفاصيل ، زعماء المنطقة بالمجل سيكتفون بأسطر قليلة . والأمور بخواتيمها سيقال أن الأميركيين احتلوا العراق وأعدموا صدام حسين مثله مثل أكثر من مليون عراقي كان للأميركيين دور مباشر في قتلهم حصارا وتجويعا أم قصفا وتدميرا .
كل الأكاذيب التي رافقت احتلال العراق ستثير سخرية المؤرخين ، وخصوصا بناء دولة ديموقراطية تحترم حقوق الإنسان .
لن يذكر التاريخ لصدام أنه كان حاكما ديموقراطيا ، سيرصد استبداده ودمويته ، وسيسجل له أنه حافظ على وحدة بلده واستقلاله لم يسلمه للأميركي ولا للأيراني . ذلك كله في التاريخ يغدو تفاصيل . رواية الترايخ ليست عادلة . فإن كانت العلاقات الإنسانية تعتمد على الانطباع الأول الناتج عن المشهد الأول فإن التاريخ يعتمد على المشهد الأخير الذي يلخص التجربة البشرية كلها .
بشكل بدائي عبر خصوم صدام ، وخصوصا المالكي ، عن تعطشهم لرؤوية صدام مشنوقا . أذكاهم كان جلال طلباني الذي قال أنه لأسباب مبدئية لا يوقع على عقوبة الإعدام أما عادل عبدالمهدي فحماسته تجعلك تشك في أنه ممن تطوعوا لتنفيذ الحكم بأيديهم . بدائية المالكي وعبدالمهدي فجة ويمكن تفهمها بخلاف الرئيس الأميركي جورج بوش الذي يفترض أنه ينتمي لبيئة أكثر تحضرا .
في الواقع تتشابه البيئة والعقلية لدى الطرفين ، فأميركا من أكثر الدول تنفيذا لعقوبة الإعدام . وهي عقوبة تنفذ حتى بمن نفذ جريمة القتل وهو قاصر عن السن القانونية .
وبوش وفي لتراث الكاوبوي في نصب المشانق ، وقاعدته الانتخابية ستعتبر أن جثة صدام واحدة من منجزاته الكبيرة في ولايته الثانية . وهو سيستثمر الجثة بالحد الأقصى . بعد أن وصل عدد الجثث الأميركية إلى ثلاثة آلاف .
ينقسم العراقيون على موت صدام أكثر من انقسامهم عليه في حياته ، السنة سيعتبرون إعدامه استهدافا جديدا لهم ، فما ارتكبته وزارة الداخلية من جرائم بحقهم لا يقارن بما جرى في الدجيل وغيرها ، وستتعزز لديهم عقلية الإنتقام . في المقابل سيظهر الأكراد والشيعة شماته وبهجة تعزز مشاعر الغضب .
لو أعدم صدام والدك أو ابنك ماذا سيكون موقفك ؟ يرد على منتقدي الحكم وتنفيذه . الجواب
إن ما يرضي الغرائز هو أن أنفذ الحكم بيدي لكن ما يرضي العقل والضمير هو التسامي والارتقاء عن مشاعر الانتقام . شتان بين نلسون مانديلا الذي أطاح بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وشرع العنان لقيم العفو والصفح وبين حاكمي بغداد الذين حولوا الناس إلى وحوش تنهش بعضها بعضا . مانديلا عملاق في تاريخ البشر أما بوش وما تناسل عنه من حكومات فنكرات وأقزام .
عربيا ، جرح جديد في الكرامة . حاكم عربي يعدمه الأميركيون . ولا عاصمة عربية يصدر
عنها موقف ، سيقال شأن عراقي داخلي مع أنه قرار أميركي مئة في المئة . المواطن العربي يتمنى لو يكون خصوم صدام مكانه في القفص وعلى حبل المشنقة . مشاعر الانتقام ستعمم ستنسى كل مساوئ صدام سترفع صوره بوصفه شهيدا . ضحى بعرشه وبروحه في سبيل أمته . في رسالته الوداعية قدم صورة مختلفة عن نفسه عندما حذر أنصاره من الحقد الذي يعمي البصر والبصيرة ويغلق منافذ الفكر .
إنه المشهد الأخير لصدام حسين : جثة بلا قبر حدث عراقي ممل يتكرر على مدار الساعة مع فارق بسيط الجثة ليست مجهولة الهوية
|