|
نظرة مختلفة لورقة (القضية الكردية) في العراق..
أحمد الزاويتي -الجزيرة توك ـ أربيل
خلفية تاريخية ..انقلبت الأوضاع ليظهر لنا في خضم هزة ضربت المنطقة، عراق يعيش معظم أجزاءه عدا كوردستانه وضعا متأزما فيه حرب وقتل وهجرة ونزوح واغتيالات تطال الجميع على الدين والمذهب والعرق، فالعراق الذي كان كوردستانه لم يعش أمانا واستقرارا طوال فترات الأنظمة التي حكمت العراق، انقلبت إلى عراق آخر..
توصف كردستان العراق من قبل أطراف مختلفة بأنها مدعومة من اسرائيل، وهي لم تقل حتى الآن كلمة خير بشان القضية الكردية في تاريخ القضية،بل في محطات من هذا التاريخ كان لها الدور السلبي ضدها ..
فهي التي كانت لها دور غير مباشر في أسوأ مؤامرة على القضية في العراق ويسميها الجانب الكردي بمؤامرة الجزائر في اتفاقية وقعت من قبل صدام حسين وشاه ايران في الجزائر وتنازل بموجبها العراق لايران عن مناطق استراتيجية من أجل إجهاض الثورة الكردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني، حينها كان وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنكر هندس للمؤامرة، واسرائيل الحليف القوي لإيران الشاه في وقته وللولايات المتحدة أدارت ظهر المجن للأكراد في الوقت التي بدأت تعمل علاقات مع قيادة الثورة الكردية المدعومة من ايران، عن طريق وبموافقة ايران..

الشيخ محمود الحفيد ملك اولال مملكة كردية اعلن في العراق عام 1919 في السليمانية..
وهناك من يرى الوضع في كردستان العراق بأنه مدعوم أمريكيا، وعلى أن الجانب الكردي يقوي نفسه بالوجود الأمريكي ويستغل الفرصة للتوسع في مطالبه وفرض شروطه على بغداد، الأمر الذي يعتبره هؤلاء خطرا على التجربة الكردية باعتبار أي انسحاب أمريكي سيترك الجانب الكردي وحيدا محاطا بدول وشعوب قد تثأر من الجانب الكردي حاليا، لكن السؤال الكردي هو هل إذا ترك الجانب الكردي الفرصة تذهب سدى سيعوض من قبل هذه الدول والشعوب؟ هل سيردون بالإيجاب على حسن النية التي قدمها الكرد فيما إذا قدم فعلا مثل هذه حسن النية؟! وهو ـ الجانب الكردي ـ يرى انه أصلا لم تكن الولايات المتحدة موجودة في المنطقة ولم يقدم هؤلاء ما كان ينتظر منه الجانب الكردي منهم.. ثم انه حتى في حالة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية سوف لا يكون حال الكرد في العراق أسوء مما كان عليه قبل التواجد الأمريكي في المنطقة..
قراءة خاطئة للملف الكردي
التعامل الخاطئ مع القضية الكردية في العراق من قبل القوى المختلفة يأتي من القراءة الخاطئة من قبلها للملف الكردي، فطالما قرأت هذه القوى عن الطرف الكردي على أساس هو الأضعف في المعادلات الجيوسياسية والجيوعسكرية في المنطقة، وتأتي هذه القراءة وفق نظرة أن الطرف الكردي مقطوع الدعم الدولي فلا مصلحة لقوة دولية أن تكون لها علاقة مع هذا الطرف على حساب مصالحه مع الأطراف المعاكسة له وهي: (العراق، وايران، وتركيا: كدول) ناهيك عن: (الفرس، العرب، والترك: كشعوب) وكل هذا أكبر تأثيرا وأكثر عمقا من الطرف الكردي الممزق كشعب والموزع بين الدول أعلاه والمعدوم من كيان دولة والمحاط بالمتناقضات القوية ضد مصالحه إن صح التعبير في إطلاق مصطلح متناقضات المصالح الكردية..
صورة لصدام حسين مع ملا مصطفى البارزاني اثناء المفاوضات بينهما عام 1970 في مقر مصطفى البارزاني في كردستان العراق
إلا أن كل هؤلاء نسوا في الوقت نفسه مكامن القوة في القضية الكردية ومولدات الحركة الحيوية في الملف الكردي العوامل الجاعلة من القضية الكردية حية لا تموت، والمشكلة التي إن لم تحل وان لم تكن باستطاعتها الوصول إلى أهدافها، فإنها ستجعل من محيطها مشكلة أيضا، خاصة القضية الكردية في العراق التي أخذت حيزا اكبر من القضية الكردية في الدول الأخرى وذلك للحركة التي استمرت منذ الشيخ محمود الحفيد الذي أعلن عن أول مملكة كردية في العراق عام 1919 أي حتى قبل إعلان العراق كدولة، وكانت سببا لثورتين ضد الانكليز المحتل للعراق في وقته، وثورات بارزان بقيادة الشيخ عبد السلام البارزاني واحمد البارزاني ضد الانكليز، وملا مصطفى البارزاني ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة منذ الملكية ومرورا بالجمهورية في عهود عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين فكل أولئك ذهبوا بأنظمتهم وأحزابهم وبقيت القضية الكردية هي، هي، بأبعادها السابقة وأبعاد جديدة أضيفت لها! وحتى بقياداتها وتوجهاتها وحتى الآن، الأمر الذي لم يكن موجودا في الحركات الكردية في الدول الأخرى غير العراق..
فعندما أجهضت مؤامرة الجزائر بين ايران والعراق بإشراف أمريكي والموقعة في الجزائر يوم 6-3-1975 الثورة الكردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني لم يكن المتآمرون يتصورون أن المؤامرة نفسها ستكون سببا لحرب بين العراق وايران بدأت بعد خمس سنوات من المؤامرة واستمرت ثمان سنوات قضت على إمكانيات كبيرة للدولتين على حساب حركة كردية تجددت واستمدت قوتها من الثورة التي أجهضت، ولم يكن المتآمرون أيضا يتصورون أن حرب ألثمان سنوات ستكون سببا لغزو العراق للكويت التي دعمت العراق ضد إيران وحتى ضد الثورة الكردية! وبالتالي ستكن سببا لانتفاضة شعبية عراقية في الجنوب والشمال، ثم هجرة مليونية للأكراد نحو الحدود الإيرانية والتركية مع العراق وبالتالي تحرك عالمي دولي وشعبي لصالح الأكراد في العراق لإعادتهم وتكوين وضع آمن لهم خارج سيطرة النظام في العراق بدءا من عام 1991 الوضع الذي تطور إلى تشكيل عراق جديد سمي بالفيدرالي يتميز كردستان فيه بوضع أفضل من بقية أماكن العراق له برلمانه الخاص ورئاسته الخاصة وحكومته الخاصة! وأخذ مسماه الرسمي دستوريا وهو إقليم كردستان!
ولا يزالون يخطئون القراءة!
ولازالت القراءة خاطئة، فالكثيرون ظنوا بعد التقارير الأمريكية (بيكر هاميلتون، وبتريوس كروكر) كمحاولات لاخراج الولايات المتحدة من ورطة العراق التي ابتليت بها، التقارير التي حاولت أن تجامل كل من ايران وسوريا وتركيا والعمق العربي عموما ليكون أولائك عوامل مساعدة للأمريكان لإخراجهم من ورطتهم، لذا تصور البعض ان التجربة الكردية في العراق بعد تطورها عقب التغييرات التي حصلت في العراق منذ غزوه للكويت، قد أهملت ثانية، لكسب ود السابقين الذكر لامركيا، حتى بعضهم بينهم نخب كردية ذهبوا إلى أن عجلة التاريخ تعيد نفسها وستضحي الولايات المتحدة أول ما تضحي به بالتجربة الكردية على حساب مصالحها مع العالمين العربي والتركي، إلا أن ذلك لم يكن صحيحا واستمرت سير عجلة التطور الكردية حتى يومنا هذا وربما بات التقريرين الأمريكيين محتفظين ضمن الأرشيف، دون التأثير على القضية الكردية في العراق كواقع..
اعتقال ايرانيين، غلق وفتح معابر،
ينتهي بفتح قنصليات
واستمرت القراءات الخاطئة للملف الكردي العراقي بعد أن ظن من ظن أن اعتقال القوات الخاصة الأمريكية لدبلوماسيين ايرانيين او لرجال ايرانيين في كل من اربيل والسليمانية دون أن تحرك السلطات الكردية ساكنا أو تمنع القوات الأمريكية من ذلك، أن الولايات المتحدة تستخف بالتجربة وتريد أن تضحي بها على يد غيرها كإيران التي استفزت كثيرا باعتقال رجالها وأدى بها الاستفزاز إلى إغلاق جميع المعابر الحدودية لها مع كردستان العراق وبالتالي هذا يعني خنقا للتجربة الكردية اقتصاديا وبالتالي سياسيا ثم نهائيا إذا استمرت الحالة هذه خاصة إذا رافقت ذلك خطوة تركية بالاتجاه نفسه، تركيا الأكثر مستفزة من ايران من تطور التجربة الكردية في العراق وبحجة مسلحي حزب العمال الكردستاني وقواعده في كردستان العراق الأمر الذي سنتحدث عنه بشيء من التفصيل لاحقا في موضوعنا هذا..

صورة شخصية لملا مصطفى البارزاني
هكذا كانت القراءة الأولية للتطورات الأخيرة في الملف الكردي العراقي، وإيران صرحت بعد إغلاق المعابر أنها سوف لا تفتحها إلا بالإفراج الفوري لرجالها المعتقلين من قبل القوات الأمريكية، وذهب وفد كردي رفيع المستوى للتفاوض مع ايران المعتبرة كأصعب طرف للتفاوض معه عالميا، فالأطراف المتفاوضة مع ايران في شتى القضايا لا تستطيع الحصول منها على شيء وتصور ذلك من قبل بعض المراقبين كسحب لقمة من فم ذئب!.. لذا كان نجاح مهمة الوفد الكردي العراقي في طهران أشبه بالمستحيلة وكان مفاجئا أن ينجح الوفد في إقناع ايران بفتح معابرها التي عادت إليها النشاط التجاري بعد رجوع الوفد الكردي المفاوض مباشرة، ودون أن تفرج الولايات المتحدة حتى الآن عن (آغاي فرهادي) الإيراني الذي كان ضيفا على كردستان العراق والذي أغلقت ايران معابرها بسبب اعتقاله في السليمانية! وأعقب ذلك بأسابيع فتح ايران لقنصليتين رسميتين لها في كل من اربيل والسليمانية وسط مراسم دبلوماسية خاصة في خطوة اعتبرها البعض تحديا ايرانيا للأمريكان لان فتح القنصلية جاء في المكان نفسه الذي اقتحمته القوات الأمريكية في يناير عام 2007 وصرح السفير الإيراني في العراق (حسن كاظمي قمي) في مناسبة افتتاح القنصلية أن هنا أهينت السيادة العراقية من قبل الولايات المتحدة وهنا نفتح القنصلية!! سواء كان ذلك تحديا فعليا للولايات المتحدة أو بضوء اخضر أمريكي للجانب الكردي بفتح القنصلية المهم هو أن الجانب الكردي كان المستفيد الأول باعتبار فتح القنصلية الإيرانية وهي أول قنصلية رسمية تفتتح في اربيل في خطوة لم تجرأ عليها حتى الآن لا الولايات المتحدة ولا البريطانيين ولا أية دولة أخرى، علما أن لبعض هذه الدول قنصليات في مدن عراقية أخرى خارج إقليم كردستان وهي تخوفت من فتح مثل هذه القنصليات في اربيل كي لا يعتبر ذلك اعترافا رسميا من قبلها بالواقع الموجود في كردستان العراق وبالتالي تشجيعا من قبلها على خطوة تقسيم العراق حسب تفسير الكثيرين.. وستعقب خطوة فتح قنصليات ايران في كردستان العراق فتح قنصليات أخرى كالروسية والألمانية والهولندية وربما الأمريكية والبريطانية أيضا حسب مصادر من مجلس وزراء اقليم كردستان العراق .. إذن كان غلق ايران لحدودها مع كردستان العراق لمدة أسبوعين ضارة أعقبتها نافعة بفتحها لقنصلياتها في كردستان العراق..
تصعيد عسكري تركي، يولد موقفا جديدا..
أما بالنسبة للتوتر والتصعيد العسكري التركي على الحدود العراقية، والتهديدات التركية باجتياح قواتها لإقليم كردستان العراق تعقبا لمسلحي حزب العمال الكردستاني الأمر الذي احدث ضجة و لا يزال، قرأ الكثيرون من خلالها أن التجربة الكردية في العراق ستكون أول واكبر ضحية لأي تطور عسكري يلحقه اجتياح تركي، وانشغل بالأمر كل من تركيا والعراق والدول المحيطة بالعراق ايران وسوريا ثم الولايات المتحدة والكل اظهروا دعمهم الواضح لتركيا فيما سميت بمشكلتها مع حزب العمال الكردستاني ورأى ثانية الطرف الكردي نفسه وحيدا في خضم موجة قد تأخذ بتجربتهم، وتركيا الدولة الكبيرة والقوية والحليفة للولايات المتحدة والقوة العسكري الثانية في حلف الناتو لوحت بالقوة وطغى خطابها العسكري على كل شيء، مقابل الجانب الكردي العراقي الذي بدا كريشة في مهب ريح معمعة الخطاب العسكري والتصريحات النارية والتهديدات المختلفة واتهامات له بأنه يدعم حزب العمال الكردستاني، ذلك الجانب الذي اظهر جليا في تصريحاته أهم مبادئه في مشكلة حزب العمال الكردستاني وتركيا حين أكد على:
* انه ليس طرفا في هذه المشكلة، وسوف لا يكون طرفا في حرب متوقعة بين الجيش التركي ومسلحي حزب العمال الكردستاني..
* يدع الطرفين لحل المشكلة بالطرق السلمية، وانه مستعد للتعاون إذا طلبت تركيا منه التعاون في سبيل حل سلمي..
* سوف يدافع عن نفسه فيما إذا تعرض تجربته لخطر عسكري تركي..

صورة لملا مصطفى البارزاني مع عبدالكريم قاسم الذي انقلب على الملكية في العراق عام 1958.. الصورة بعد عودة البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي..
الأمر الذي اغضب تركيا كثيرا، وظن الكثير أن التجربة الكردية في العراق ستكون أمرا مضى عليه الدهر بعد أي تطور عسكري تركي.. ورغم أن الأيام حتى الآن لم تحسم هذه المشكلة والتهديدات التركية لا تزال قائمة إلا أن بوادر كثيرة لصالح التجربة الكردية في العراق طرأت على الموقف التركي تجاه تجربة كردستان العراق، واهم هذه البوادر..
* الاجتياح العسكري لإقليم كردستان العراق بات أمرا مستبعدا، رغم أن تركيا لا تزال تلوح به، وحتى إذا حصل أي تطور عسكري تركي فانه سيقتصر في قصف جوي أو مدفعي لمواقع حزب العمال الكردستاني، وحتى إذا حصل اجتياح سوف يكون محدودا في مواقع الحزب الأمر الذي لا يحسم مشكلة حزب العمال الكردستاني.. هذه من الناحية العسكرية.. أي تجاوز الاجتياح إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة السلطة الكردية في إقليم كردستان العراق بات أمرا مستبعدا جدا خاصة بعد المطالبات الدولية ( الولايات المتحدة، بريطانيان فرنسا، روسيا ) بعدم القيام بذلك..
* أكثر السياسيين الأتراك تطرفا وهو القومي (دينيس بايكال) الذي لم يجرأ مرة في الحديث بايجابية عن إقليم كردستان العراق وأكراد العراق، قدم مشروعا زبدته التعامل مع إقليم كردستان، ودعمه اقتصاديا وثقافيا واستضافة نخبه في تركيا وفتح معبر حدودي آخر مع إقليم كردستان مع معبر ابراهيم الخليل الحالي ( الخابور ) ـ الذي كان مهددا بالإغلاق من جانب تركيا أثناء الأزمة ـ هذا المشروع قوبل من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بالترحيب وكذلك من قبل السلطة الكردية في العراق ومن قبل الأحزاب الكردستانية العراقية والنخب الكردية، واعتبر هذا الخطاب من قبل دينيس بايكال انعطافا وانقلابا في الموقف التركي من التجربة الكردية في العراق..
* فتح المجال الجوي التركي مع إقليم كردستان العراق هذا المجال الذي كان مغلقا قبل الآن، وهذا يساعد على سهولة الاتصال والربط بين إقليم كردستان واوروبا والعالم الغربي.. وجاء ذلك في خضم الأزمة الحالية..
كل هذا يعتبر ضارة جاءت دون تخطيط من الجانب الكردي العراقي وكانت نافعة له بعد أن ولدت موقفا تركيا جديدا ايجابيا من التجربة الكردية في العراق..
الختام والنتيجة..
في الختام لم أود أن أصل إلى نتيجة لأشير بالقول أن الطرف الكردي هو أقوى طرف في المعادلة السياسية والعسكرية الجارية في المنطقة، النتيجة التي ربما يستنتجها البعض من قراءتي للملف الكردي أعلاه، وذلك لان بكل بساطة أن الجانب الكردي لا يملكك مفاتيح حل الأزمات الموجودة ولا يستطيع فرض نفسه على أطراف المعادلة الأقوياء، لكنه في الوقت نفسه ليس طرف ضعيفا في تلك المعادلات، وأهميته تكمن في كونه عامل مساعد لا يمكن لأي تفاعل سياسي أو عسكري في المنطقة أن يتم بغيابه!!! التفاعل سواء كان في العراق أو في محيط العراق، وإذا أرادت الأطراف إشراكه في مخططاتهم وتعاملوا معه كعامل مهم سيكسبون الود الكردي والدعم الذي لا يمكن الاستغناء عنه من قبلهم، وإذا أرادوا إهماله فربما بإمكانه تعطيل تلك المخططات للوصول بأصحابها إلى نتائج مثمرة لهم، وإذا أرادت الأطراف القضاء على هذا العامل فاثبت الدهر أن ذلك يعتبر أمرا مستحيلا ..
|