|
قل لي من ستكلم.. أقل لك كم ستدفع
وائل عادل - الجزيرة توك
- ”ما رأيك أن نذهب إلى زيارة الأيتام في جمعية…”
- ”متى نلتقي؟؟” كانت هذه هي آخر جملة قلتها لزميلي وأنا أكلمه على الهاتف “المحمول”… لقد نفد رصيدي..
بدأت أنظر إلى الهاتف الأنيق، أرجوه أن يمنحني فرصة أخيرة، ويأذن لي بالمكالمة، انتظرت مبادرة من صديقي ليكلمِني هو، لكن خاب ظني. تساءلت في نفسي.. نحن لم نقل إلا خيراً… وكنا نرتب للقيام بعمل خير، لماذا يا ربي ينقطع الخط الآن؟؟!! ولماذا تعبث شركة الاتصالات هكذ؟؟!! آه.. لم تظلمني شركة الاتصالات… لقد نبهتني قبل نفاد الرصيد بفترة، فقالت لي إحداهن قبل بدء المكالمة بنبرة ودودة: “إن رصيد خدمتك هو…”، ناصحة إياي بإعادة تعبئة رصيدي، لكنني لم أعرها اهتماماً، ولم آخذ رسالتها على محمل الجد، اعتبرتها من المثبطين، أو لعلها تكره ما أقوم به فتحاول عرقلته..
لعلي لم أنتبه أن لدى شركة الاتصالات نظاماً محكماً بدرجة كبيرة، فكيف أنتظر معجزة لأجري اتصالاً هاتفياً رغماً عنها. وقوانين الفعل الاجتماعي لا تنحاز إلى أحد، حتى لو كان يجري مكالمة مشبعة بالخير، لأنها قوانين لا تعطي تصريح المرور عبر بوابة الواقع إلا بعد أن تتأكد من امتلاكك إجابة على السؤال التالي: “هل لديك رصيد؟؟“، كما أنها لن تسمح لك بالمرور إلا على قدر رصيدك، فالبعض سيتقدم نحو أهدافه متراً واحداً، والبعض الآخر كيلومتراً واحداً، وهكذا..
لم تترك لي شركة الاتصالات أية فرصة، فبعد نفاد الرصيد لم أعد قادراً حتى على إرسال “رنات”، لقد بت معزولاً عن العالم… أما “الرسائل النصية” التي كنت أغازل بها الواقع… حاولت إرسالها، ولكن دون جدوى، لقد خُزِّنت على الهاتف في مكان الأهداف غير القابلة للتحقيق – لحين توافر الرصيد.

تعجبت ممن يسعى لالتفاف الجماهير حوله والتواصل معهم، لكنه لا يملك رصيداً من “رنَّات” الخبرة أو “رسائل نصية”
تحمل الخطاب الجذاب، أو يجيد استخدام “البلوتوث” كأحد أدوات الفعل التي تمكنه من التواصل، وتعجبت أيضاً من أولئك الذين يستخدمون البطاقة المدفوعة مسبقاً بمبلغ 30، ويريدون أن تستمر المكالمة بتكلفة ال50 رغماً عن الجميع، وحجتهم في ذلك أنهم لا يقولون إلا خيراً؟؟ فلماذا توصد الأبواب في وجوههم؟؟!! ولماذا يمسك الأشرار بمقاليد اتصالات العالم، رغم أن ألسنتهم لا تنطق إلا دماراً؟؟!!
إن من يملك الرصيد الكافي سيتكلم كيفما شاء، حتى ولو كان يتحدث فيما يضر مجتمعه، ومن لا يمتلك الرصيد الكافي ستٌقطع مكالمته ولو كان أكثر البارين بمجتمعه.
من يملك الرصيد الكافي سيتكلم بأريحية ولن يتكبد عناء النظر في ساعته، أما من لا يملك رصيداً كافياً فسينشغل بوهم إمكانية عرقلة عَدْو عقارب الساعة بأية طريقة، فضلاً عن إرباك حليفه على الجهة الأخرى، قائلاً له بصوت مرتعش: “تكلم بسرعة… المكالمة ستنتهي“!!
لن تجني المجتمعات حصاداً خيالياً يفوق رصيدها لمجرد امتلاكها أهدافاً نبيلة وسامية، ولن تتمكن من إجراء مكالمة طويلة يصغي لها العالم إلا لو امتلكت رصيداً يمكنها من ذلك. وكلما كبر الحلم، وبعدت مسافة الاتصالات، كلما عظمت التكلفة. فتكلفة الاتصال المحلي، ستختلف عن الإقليمي، وكلاهما يختلف عن العالمي. فإن حدد المجتمع مع من سيتواصل… يمكن أن يحدد التكلفة… وإن لم يكن مستعداً لدفع التكلفة، فسيظل حلمه أسير عقله.
أُحَذِّر من يصوغ حلمه على اعتبار أن حلفاءه سيتصلون به إن انقطع الاتصال من جهته، وأدعوه ألا يعتمد إلا على رصيده… فحتى الآن لست أدري.. لماذا لم يكلمني صديقي بعد انقطاع الاتصال؟؟!! وأرحب باستثمار مواسم المكالمات المجانية، دون أن تُبني عليها خطة مُتَوَهِّم أن العالم قد تغير، فالوصول المجاني للأهداف حدث عارض لن يدوم…
ما أروع أن تحلم بالتواصل مع أبعد قارات العالم، لكن الأروع أن تسعى بجدية لشحن رصيدك لتحول الحلم إلى واقع، وأن تكون قادراً على دفع التكلفة، وإتمام المكالمة. وإن كنت لا تملك الرصيد الكافي فقد تبدأ محاولتك لاختراق الواقع بالتدريج، فتكتفي في مرحلة ب “الرنات” تاركاً خيار الاتصال للطرف الآخر، وفي مرحلة لاحقة يتكون لديك رصيد معقول لإرسال “رسالة نصية” جذابة، تجبر الطرف الآخر على الاتصال، وبذلك تتحرك في ضوء الممكن، ساعياً إلى ضم “المكالمة الصوتية الدولية” – بعد زيادة الرصيد- إلى نادي الممكنات الذي أسسته، والذي تملك تكلفة ومهارة إدارته.
ربما لا يروق هذا الكلام لصنف غير راغب في دفع التكلفة ابتداء، ويعتقد أن على شركة الاتصالات أن تغير قواعدها طوعاً أو كرهاً، لأنه يعتبر الاتصال وحق التعبير يجب أن يكونا مكفوليْن للجميع مجاناً، وهذا الصنف – إن لم يعي قواعد اللعبة ويشحن رصيده، أو يقرر تغيير القواعد باختراق نظام الاتصالات بشكل ما ليمنحه حق التواصل المفتوح - سيطول به الأمد، ويمر عليه الزمن، وسيظل يتحدث عن المظلومية، وعن تمسكه بحلم الاتصالات الدولية، مستنكراً ومُديناً سلوك شركة الاتصالات، ولا تتعجب حينها.. إن التَقَطْتَ هاتفك، وحاولت الاتصال به، لترد عليك صاحبة الصوت الرقيق… تعلن لك الخبر التالي بكل أسف: “ هذا الرقم غير موجود بالخدمة“!!
|