|
حازم عزاب ـ الجزيرة توك
يحار المواطن العربي البسيط في سلوك بعض حكامه في مراحل زمنية معينة. لكن واجب النخب الوطنية الواعية هو أن تستنقذ الناس مما يحيكة الفراعين وسحرتهم. لا شك أن بعض الحكام وبطانتهم على مدار التاريخ القديم والجديد كانوا يميلون مع أعداء شعوبهم طمعا أو رهبا، بالقصد أو بالغفلة والضحالة الفكرية.
إن تغيير النشيد الوطني كله أو فقرات منه له سوابق في الدول العربيية. من تلك السوابق ما جرى في مصر إبان التحول "السلامي" المفاجئ عام 1977، فقد قرر السادات أن يجنح للسلم في الوقت الذي كان الأعداء يتبنون نوعا آخر من المكر السيئ. السادات قرر فجأة عقب ما اسماه مبادرة السلام مع العدو الصهيوني أن يغير النشيد الوطني المصري القائل آنذاك في مطلعه: " والله زمان يا سلاحي... اشتقت لك في كفاحي" ليصبح: "بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي" وهو نشيد مما كان الفنان الراحل سيد درويش يغنيه في فترة زمنية غابره. نشيد أو أغنية درويش لم تتضمن إشارة إلى المعاني الكفاحية أو النضالية الجهادية في مواجهة الاحتلال.
أثار هذا التطور (أو التدهور) جدلا حامي الوطيس بين المؤيدين التابعين لصاحب القرار ومدرستة "السلامية المهادنة" وبين أصحاب المدرسة الجهادية الراديكالية التي لا تريد أن تأمن لمكر الأعداء، بل تعول على أن تريهم أقصى مظاهرة القوة وكل ما يخيف ويهدد ويرهب. وظف السادات أدوات السلطة الناعمة والخشنة كي يفرض التغيير وانتهى أمر السلام الوطني القائم معاني الكفاح المسلح ليحل محله السلام الوطني القائم على كلمات الحب الرومانسي للوطن.
الجزائر الرسمية تنحو هذه الايام نفس المنحى بالرغم من بعض الاختلاف في التفاصيل المتعلقة بطبيعة العدوين الفرنسي السابق والصهيوني الحالي. فالمراد هو أن يمحي من ذاكرة الشعوب كل ما يذكرها بجرائم المحتلين. إن سياسات محو الذاكرة الوطنية ليست عشوائية أو مجرد رغبة عابرة لهذا الحاكم أو ذاك. إن المسالة ترتبط بموجة من الاستعمار الجديد أكثر دهاء وخبثا. هدف تلك الموجة الاستعمارية هو التمهيد النفسي لاستراتيجية الهيمنة والنهب الناعم لبلادنا. إن من شأن النسيان وإزاحة قيم الهوية الوطنية والانفتاح الفكري والعولمة أن تسهل اغتراف الثروات وفتح الأسواق. يجب أن تنتبه الشعوب العربية والإسلامية إلى أدوات مستعمري القرن الواحد والعشرين في ثيابهم المدنية الأنيقة.
قد يقول قائل وما قيمة تغيير كلمات في النشيد الوطني الجزائري من قبيل: "يا فرنسا قد مضى وقت العتاب، وطويناه كما يطوى الكتاب، يا فرنسا إن ذا يوم الحساب فاستعدي وخذي منا الجواب، إن في ثورتنا فصل الخطاب".
والرد عندي هو أن تبقى جذوة الذكرى مشتعلة لتنبه الأجيال الجديدة إلى أن أعداءنا لا يزالون يضمرون الطمع في ثروات بلادنا، وأن هؤلاء الأعداء يخفون في صدورهم أحقادا دينية تفضحها أحيانا خطب ساساتهم وفلاسفتهم.
أجيالنا الجديدة لا يجب أن تنسى جرائم الأعداء في حق الآباء والأجداد الذين دفعوا حياتهم ودماءهم كي يسلموننا الأوطان محررة كريمة. الساسة الوطنيون لا يغسلون أدمغة شعوبهم لا سيما ونحن نرى الطامعين يجيشون الجيوش ولا يستحون من إعادة الاحتلال إذا لزم الأمر.
|