|
ياسر أبوهلالة
يطلب مسؤول حماية فريق الاف بي آي "مكتب التحقيقات الفيدرالي" مغادرة موقع الانفجار بسرعة، يستمهله رئيس الفريق الذي يقوم بعمل مذهل في جمع الأدلة وتحليلها، يقول له إن قناة الجزيرة ستركز على وجود الفريق! المشهد ليس واقعيا؛ انه جزء من فيلم "المملكة" المعروض على الشاشات هذه الأيام.
تزيد سينمائية المشهد من أهميته ولا تقلل، فالحقائق تتشكل في الدماغ بناء على الصور أكثر منها على الوقائع المجردة. يريد الفيلم الذي يناقش بسطحية وغباء ملف "الإرهاب" والعلاقات المعقدة بين السعودية وأميركا أن يوصل رسالة ملخصها، الجزيرة تحرض على قتل الأميركيين وتعطل الحرب على "الإرهاب".
لا يقول الفيلم إن أي تلفزيون أميركي كان سيركز على وجود فريق أميركي للتحقيق في جريمة مست أميركيين على الأرض السعودية. وأن الجزيرة تقوم بعمل مهني يتشابه مع ما يقوم به الإعلام الأميركي والغربي. في المخيلة الأميركية رُسمت صورة سلبية للجزيرة تندرج في الصورة العامة السيئة للعرب والمسلمين وما صدر عنهم.
تذكرت وأنا أشاهد الفيلم ما سمعته عندما زرت "الواشنطن بوست" قبل زهاء عامين. فأحد محرري الشرق الأوسط يعرض أخبار الجزيرة على شاشته مع أنه لا يفهم العربية. مشهد الجزيرة أثار صدمة باقي الصحافيين. فالقناة بنظرهم هي قناة الذبح والخطف ولكنهم فوجئوا أن القناة فيها نشرة رياضية تعرض أخبار الفرق الرياضية!
ليس في "الواشنطن بوست" فقط تعرض الجزيرة من دون ترجمة، قال لي المدير السابق لمركز الحسين للسرطان الدكتور سمير خليف إنه عندما زار وزير الصحة الأميركي وجد أن في غرفة عمليات الوزارة تعرض ست شاشات من بينها قناة الجزيرة باللغة العربية.
في الغرب يسمعون عن الجزيرة ولا يسمعونها، وترسم صورة غير واقعية للقناة. فمثلا أسطورة قناة الذبح لم يدقق فيها باحث. لم يسبق للجزيرة أن عرضت مشهد ذبح. وميثاق الشرف فيها يمنع ذلك. مَنْ عرض مشاهد الذبح هي قنوات حلفاء أميركا في العراق. فتلك القنوات حصلت على ملفات أجهزة الأمن العراقية وعرضت ما فيها لإدانة حقبة صدام حسين، ولم تجد غضاضة في بث مشاهد الذبح والجلد والسلخ بما أن ذلك لا يضر بالأميركيين ولم يجدوا من يدينهم أو من ينتقدهم.
تشكل الموقف الحدي من الجزيرة على إثر النظرية البوشية "من ليس معنا ضدنا". لم تكن القناة في عداد أساطيل المارينز. فقصف مكتبها في كابول وفي بغداد وقتل طارق أيوب ورشيد والي واعتقل سامي الحاج.
تمنيت لو أن باحثا دقق في تقارير الزميل تيسير علوني قبل الحرب وأثناءها وبعدها. حتى لو فعلها باحث فلا يسمع صوته وإنما يسمع صوت المحرضين الذين نجحوا في النهاية في التأثير على المحكمة العسكرية الإسبانية والتي دانته على مقابلته لابن لادن. وهي فعلة اقترفها قبله صحافيون بريطانيون وأميركيون.
حتى تُحارب الأسطورة ويُحترم العقل، يُمكن تسجيل شهر أو أسبوع أو حتى يوم مما تبثه الجزيرة، ويُحاكم بشكل علمي. غير أن المصلحة تقتضي نشر الأسطورة ومحاربة الحقيقة. لم يصدر عن تيسير تقرير يروج لنظام طالبان قبل الحرب، وفي أثناء الحرب لم يفعل ما فعله الصحافيون الأميركيون، الذين لم يخجل أحدهم من حمل رشاش لقتل بن لادن لو عثر عليه. وقيل ذلك على شاشة فوكس!
في الأحد عشر عاما من عمر الجزيرة حظيت بكثير من المدح وكثير من التشهير وقليل من البحث العلمي المنصف. لم يكن الأميركيون والحكومات العربية هم من يهاجم الجزيرة، فخصومهم التقوا معهم عليها. فالمعارضات العربية تتهمها بالتطبيع، وأخيرا شنت المنتديات الجهادية حملة ضارية عليها متهمة إياها بالتلاعب في خطاب بن لادن بخصوص الفصائل المجاهدة في العراق.
راجعت خطاب بن لادن حرفا حرفا، ولم أجد تلاعبا، فكل ما قامت به الجزيرة هو "تحرير" مهني مطلوب. تخضع له خطابات بوش وحسني مبارك وغيرهما. يريد المجاهدون في المنتديات أن تكون الجزيرة مثل منتدى "الحسبة" أو "الإخلاص" ويريد الأميركيون أن تكون الجزيرة مثل الـ سي ان ان وفوكس، وهي هي لا هذه ولا تلك.
وإن كان الموقف الحدي مقبولا من المتقاتلين في الفسطاطين فهو غير مقبول من مثقفين يحكمون على الجزيرة بناء على ما يسمعون عنها. ولا يكلفون أنفسهم عناء مشاهدتها.
غدت الجزيرة أول علامة تجارية إعلامية وخامس علامة تجارية بالمطلق، ولا يضرها موقف حكومة مهما طغت وتجبرت، والأولى ببعض المثقفين الذين يعقدون مجالس اللطم على توقيف سياسي نكرة أو صحافي فاشل أن يكفوا ألسنة التحريض على الجزيرة، فهو قد يكلف الصحافي حياته أو حريته. والكف عن التحريض لا يلغي المطالبة بموقف نقدي من الجزيرة، فأحد عشر عاما بقدر ما حفلت بنجاحات شابتها إخفاقات، تحتاج لتقويم وتصويب.
|