|
01/11/2007 |
عارف حجاوي ـ الجزيرة توك
رغبت صبياً في تعلم الموسيقى. تخيلت، مغروراً، أن كل المطلوب هو أن يركز المرء تفكيره في هذه الرغبة، ثم ينام ليلته – شرط أن يكون ركز كثيراً، وأحسَنَ التركيز –، ثم يصحو في الصباح وقد أتقن الموسيقى. تخيلت أن الأمر لا يأخذ من الجهد إلا سويعات قليلة، ثم تتكفل الرغبة بالباقي، ويهبط الوحي علي.وعلمتني الدنيا أن في تفكيري المراهق ذاك قدر من الصحة غير قليل. لا، لم أتعلم الموسيقى بطريقة الوحي، ولا أنا أكملت السير في ذلك الدرب. لكنني تعلمت مهارات أخرى أعاشتني، وكفتني منّة الشهادة العليا.
بداية التعلم نحتٌ في الصخر؛ يفرح المرء بالقليل الذي تعلمه، ويظن أنه أتقن العلم كله. ثم يتعلم أكثر فيعرف مقدار جهله بتلك المهارة..
ثم أكثر، فيدرك أنه جويهل صغير. وما زال يتعلم ويزداد إدراكاً لجهله. فالتعلم خير طريقة لتعرف مقدار جهلك.
أصحاب الشهادات لا يفعلون ذلك. فالشهادة هي خاتمة العلم. "يَجيب" أحدهم الدكتوراة، ويقعد – لا قعد – في إحدى الجامعات، وينتظر أن يحمله الحزام الناقل من مرحلة إلى مرحلة حتى يخرج من شرج الماكينة بروفسوراً كاملاً. ونكتشف في حفل تأبينه أنه كتب عشرين كتاباً، ثم نكتشف بعد سنتين أن كتبه تلك كانت تلاخيص رديئة.
المحرك الحقيقي للتعلم هو الرغبة. هي ذلك الشبق المعرفي الذي لا يخبو. وبالرغبة يرتقي المرء في علمه. والعلم لا ينتهي. تلك لذته، ومشكلتنا معه. الرغبة هي ذلك الوحي.
كان أبي خياطاً ماهراً، أمسك بالمقص صغيراً وتجرأ على قطعة جوخ، ثم ظل يتعلم. قصَّ علي أنه رأى على رجل بذلة مخيطة خياطة مبتكرة، وعرف منه أنه خاطها عند خياط معروف في يافا. ولم يستطع أبي أن يفك سر تلك التفصيلة. ثم اتفق له أن كان في يافا لبعض شأنه فذهب إلى مشغل ذلك الخياط، وأخذ يتسكع هنيهة على الرصيف، والخياط يفصِّل. ثم إن الخياط انتبه، وخرج من دكانه وقال لأبي: تعال! أنت خياط. فاعترف أبي بأنه خياط. وقال له المعلم: عرفتُ مرادك. وفي ثوان معدودات علمه تلك القَصة المبتكرة.
وحتى لا تسارع جريدة الحال باحتساب إعلان تجاري عليّ أصرح بأن أبي انتقل إلى رحمة الله، وأنه لم يعلّم أياً من أبنائه الصنعة. كان دائماً يقول لنا إن هذه الصنعة ماتت. وقد صدق. وكان يقول لنا إن أهم شيء في الدنيا الشهادة الجامعية. وفي هذه أيضاً صدق.
سيحتاج مجتمعنا إلى وقت ليأخذ بكلمة الإمام عليّ: قيمة كل امريء ما يحسنه. وإلى أن نصل إلى هناك: تعيش الكرتون
|