|
دقت ساعة العودة.... البيوت أو أنقاض البيوت تنتظر أصحابها، وأصحابها لا يطيقون الانتظار... من رحلوا قسراً أو طوعاً يعودون.
الضجيج المعهود عاد إلى شوارع الضاحية الجنوبية... فوضى القوافل لا ينظمها إلا اتفاق غير معلن على ضرورة العودة، و للمرة الأولى لا شعور بالضيق من زحمة السير.
نرافقهم في مشاهداتهم.... فنحن أيضاً نكتشف المعالم الجديدة للضاحية.

تكاد لا تستطيع رصد كل شيء دفعة واحدة، ففي كل زاوية مشهد، ولكل مشهد طقوسه....
إنها لحظة رأت المنزل أو ما تبقى منه.... وهذه تهنئة بالسلامة والرجوع للدار ولو بالقليل القليل... حركة لولا الخلفية لاعتقد أنها نشاط بشري عادي في منطقة مكتظة.... جولات شابها الهدوء والانفعال على حد سواء.
هنا كان مبنى، وكانت جلسة وجريدة، وإبريق الوضوء.... هنا كانت أم تعد مائدة الطعام، هنا كان مكتب، وهنا كانت واجهة أحد المحال.... تفاصيل صغيرة لم تستطع أن تطمسها القنابل الذكية، فهي صممت لدمار أكبر- لكنه يبقى أصغر من دفاتر طفولة وئدت في الشياح والرويس.
لوحات أخرى رسمتها الأحداث الأخيرة. سريالية رمادية ومناجاة صامتة. مبان متوازية مقابلة كأنها تشكو المصاب... منها ما بقي شبه صامد وسط بحر من الدمار، ومنها ما توج جبينه بقبلة جوية، أو حظي بتذكار لم يفرغ كل سمومه.
هذا أصبح من الماضي الآن، والعائدون إلى الديار ألبسوا الأنقاض ما تفيض به أنفسهم من غضب، ووفاء، وحب للأرض وللوطن.
هنا كانت آخر المجازر الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية. عشرات الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض ويحكى عن صواريخ لم تنفجر بعد. ومع ذلك فإن الآلاف ... الآلاف بدءوا رحلة العودة إلى الديار.
|