ما إن تنتهي المرحلة الدراسية حتى يكون الواحد منا قد خرج بصورة ذهنية لأكثر من مائة شخصية من مدرسين "تعاقب" عليهم و"تعاقبوا عليه" خلال سنوات الدراسة!
أحدهم لن يكون في سجلات الحكومة سوى مدرس آخر من بين مئات الألاف من المدرسين لكنه عندي نموذج لنظرية سلوكية اسمها عندي اليوم "شايفني حماريزم"!
على أساسها يمكن أن أطالب ببراءة اكتشاف لعلها تزيد براءات الاكتشاف في عالمنا العربي واحدة آخرى فنخرج بها من طور التقريع الدائم لنا باعتبارنا أمة نعيش عالة على اكتشافات الشعوب الأخرى واختراعاتها!
وإذا كانت الحكمة الشائعة المهجورة في واقعنا تقول "إذا دعتك قدرتك لظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك" فإن النظرية السلوكية المقابلة تقول إذا دعت قدرتك لعقاب الناس أو النرفزة عليهم ولم تكن درجة الغيط ترقى إلى الحد الذي يحمل على العقاب أو النرفزة فما عليك سوى أن تطور منه وتضيف إليه التوابل اللازمة ليصل إلى حد استحقاق العقاب!
بدأت القصة عندما ظهر لأستاذنا أن أحد الطلاب تحدث إلى زميل له خلال الدرس وهو أمر يعد في فصول الدراسة أصلا لا استثناء. استدعاه مدرسنا أمام الطلاب ليقرعه لكن ذنبه لم يكن على ما يبدو كافيا للعقاب! شايفني حمار قدامك كانت هي العبارة المطلوبة من جانب الأستاذ لرفع درجة التوتر. وبدخول الحمار ضمن مكوناتها كانت الصفعات تنهال على صاحبنا ولم يشفع له أنه لم ينبس ببنت شفة ولم نكن نملك من مقومات الشجاعة ما ندافع به عنه ما دام أن صورة الحمارأصبحت جزءا من المشهد وواقعا لا مفر منه! في بعض صورها فإن النظرية يمكن ان توصف بنظرية "يعني أنا كذابيزم" وهنا يفترض الآخر عندما تخالفه الرأي أنك وصمته بالكذب وبناء عليه يواصل التقريع واللوم فيما لا تملك أنت سوى الاعتذار عن فعل لم تفعله! في صورة ثالثة يمكن أن تسمى ظاهرة "مش معبي عينكزم" ويمكن هنا أن تكون على سبيل التنبيه والتحذير والتوبيخ العابر بحيث تعد ربما أخف صور الظاهرة دون أن يعني ذلك عدم وجود صيغ أخرى في نفس الإطار ضمن إطار تعدد اللهجات العربية! المشكلة هو ان تتطور هذه الظاهرة فتصبح سلوكا سياسيا دوليا، ففي سياق الأحداث التي حملت على احتلال العراق كانت ماكينة الإعلام الأمريكية وتصريحات المسؤولين تكرر عبارات من قبيل "أن العراق يحاول خداع العالم واستغفاله من خلال مواصلة برنامجه لأسلحة الدمار الشامل" ومؤداها (أيها العالم العراق شايفكم حمارزم) وهو يستخف بالتهديدات الدولية المفروضة عليه(أنتم مش معبيين عينه زم) . وبأسرع مما يعيد التاريخ نفسه عادة يعود الحديث اليوم عن إيران وعما يوصف بالإرهاب ويتم اللعب بالصورة الذهنية وتشكيلها لكي تدفع بالعالم كله بحرب دونكيشوتية ضد طواحين الهواء ما دامت مصانع السلاح قادرة على صناعة المزيد وما دام النفط قادرا على التمويل وفي أجسادنا نبض من حياة وفي العالم من المعلمين والسياسيين من شعاره: ما أريكم إلا ما أرى!