|
كانت الدول تفتخر بعدد ماتمتلك من قنوات تلفزيونية , و عدد ساعات البث و إمكانيات الوصول
إلى أماكن أبعد , و بعد ذلك تنظر إلى نوعية البرامج التي تقدمها !!
أما الآن فقد انقلبت هذه المعادلة , حيث أن الدولة تبرز أهميتها من خلال ماتقدمه على شاشاتها
و تسطع ثقافتها عبر الانعكاسات التي تأتي من التلفزيون , ولدينا مثال حي في قطر وهو قناة الجزيرة التي استطاعت استقطاب أكثر من مليار ونصف مشاهد مع أنها قناة واحدة .
و إن التنوع في قنوات البث لم يتم الوصول إليه عشوائياً أو حسب المزاج , و إنما هو تيجة المعرفة و الدراسة , و أيضاً بهدف تلبية الرغبات المتنوعة للمشاهدين , و بلا شك أن الدراما لها حضورها الوهّاج , فهي مرآة الحياة و تاريخ الماضي , و إن تطور الدراما في العالم العربي , يعكس تطور الوعي بين الشعوب و مما لاشك فيه أن هامش البوح بالمشاعر الساكنة في النفس البشرية , قد أصبح كبيراً و بات المواطن العربي يشاهد مجتمعه عبر شاشات التلفزيون و أحياناً يتذكر حادثة مرت به و هو متسمر أمام المسلسل المعروض .
و جمهور التلفزيون لايقتصر على صغار السن أوكبارهم , إذ يتسع و يمتد ليشمل المثقفين و الأدباء و أعلام المجتمع و أعتقد أن سهولة تلقي الصورة و المعلومة هي العامل الأكبر في تربع التلفزيون على عرش المخترعات الحديثة لأن العين أقوى الحواس جميعها حتى و إن قالوا : إن الأذن تعشق قبل العين أحيانا ..!!
المسلسل السوري "غزلان في غابة الذئاب " هو دراما ناجحة بجميع المقاييس فهو يجمع
بين الصورة و الفن و القصة و يقوم بنسجها وفق قالب جميل يندر أن نراه كثيراً... و هويعالج قضية الفساد تلك القضية التي أصبحت تهم الجميع لأنها من أكبر أمراض المجتمع , و يصور المسلسل الممثلين " الذين أبدعوا في هذا المسلسل " و هم يصارعون الحياة فسامر ابن ذلك المسؤول الكبير, لايهمه شيء , و لايحترم أحداً , و لايخاف من أي انسان , و قد ولد و في فمه ملعقة من ذهب , يضرب و يشتم و يعربد , في النوادي , و يركب أحدث السيارات , و يملك ملايين الليرات ...
و حتى دراسته في الجامعة .. من نوع آخر , فهو طالب و لكنه ليس بطالب و هو ينجح بدون أن يخوض الامتحانات .. حتى فوجىء مرة بسؤال من أبيه : يا بابا .. على أيامكم مافي امتحانات ؟!!
أما غسان ذلك الفقير "ابن المرابع الذي كان يعمل في أرض والد سامر" فهو انسان لايملك مالاً
... و لاكرامة أيضاً , لأنه رضي أن يكون ذيلاً لسامر ...!! و هو جبان بكل معنى الكلمة و يسعى
للحصول على الوظيفة الموعودة في التلفزيون مهما كان الثمن حتى لو كان على حساب عائلته
و أهله.
و هناك غدير الشاب الكادح الذي لم يكمل تعليمه و بقي جاهلاً " يعيره أخوه غسان بهذه الكلمة
" مع أنه كان شهماً و أدت به الظروف إلى الانزلاق في قضايا شائكة ليصبح بعدها في السجن
... و هناك رفاقه , عبودي .. و المعلم أبو الفوز, و جميعهم من الدرك الأسفل من المجتمع .
و الجدير بالذكر أن هذا المسلسل , تخطى الخطوط الحمراء بامتياز فهو يتحدث عن مسؤول كبير
.. إن لم يكن فاسداً ... فقد أفسد أولاده .. و أحداث المسلسل تتلاحق بسرعة كبيرة .. و هناك رجل
الأعمال الذي يستغل ثرائه لتمرير صفقات مشبوهة .. و هناك زوج ابنة المسؤول الكبير الذي
استغل قرابته من المسؤول للوصول إلى الثراء السريع , و طبعاً لايمكنني سرد جميع الشخصيات ,
و لكن و الحق يقال أن كل شخصية في المسلسل تعالج جانباً من جوانب البيئة التي نعيش فيها ,
و مما يلفت النظر هو عبور المسلسل فوق الحاجز الرقابي , فهو عالج قضايا بالغة الحساسية
و بلغة واضحة و قد كانت تلك القضايا تعالج بطرق خجولة في مسلسلات سابقة , فبوركت هذه
النهضة الاعلامية ... و تحية لكل من ساهم في إخراج هذا المسلسل إلى النور..
و قبل اقتراب نهاية المسؤول الكبير و ابنه أتذكر قوله لابنه :" أنا بعرفك ذكي , ليش عملت هيك"
, فأجابه ابنه سامر :" لكل شيء حل" ...
فتمتم أبوه : " جدي لعب بعقل تيس "
و يحضرني الحديث الذي دار بين معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص , و هما من دهاة
العرب ... فقد سأل معاوية عمراً : مامبلغ دهائك ياعمرو ؟ فأجاب عمرو : مادخلت ياأمير المؤمنين
مدخلاً إلا و أحسنت الخروج منه , ابتسم معاوية و قال : ماهكذا يكون الدهاء ياعمرو , الدهاء
ألا تدخل مدخلاً تدفع ثمن الخروج منه !!
|