|
ماوراء الكاميرا .. المسلمون في اوغندة |
|
|
|
18/09/2007 |
|
ليث مشتاق ـ الجزيرة توك
ظهيرة يوم مشمس .. في احدى اكبر اسواق كمبالا ازدحاما .. كنت اقف لاصطياد بعض الصور لحياة الناس والشوارع .. التي قد نحتاجها في تقاريرنا التي نعدها من هناك .. في ذلك الزحام .. وتحت تلك الشمس اللافحة .. مر بالقرب مني رجل افريقي .. ملتحي .. فنظر الي مبتسما .. قلت .. السلام عليكم .. فرد .. عليكم السلام يااخي هل انت عربي ..؟ اجبته نعم .. صافحني بحرارة ووقفنا جانبا نتكلم اخبرني بانه عمدة مسلم لعدة جزر تقع في بحيرة فكتوريا .. ( اذ يوجد في بحيرة فكتوريا التي تشبه البحر من حيث الكبر ..
يوجد فيها 84 جزيرة .. 62 منها مأهولة .. ويسكنا انا من صيادين ومزارعين ) خطر ببالي اثناء تحاورنا ان اعمل تقرير لبرنامج حديث الصباح عن المسلمين في اوغندة .. كيف يعيشون .. وما هي طبيعة حياتهم اذ يشكلون نسبة 40 % من سكانها .. طلبت رقم الهاتف من الشيخ وواعدته بزيارة الا انه نبهني بان علي ان اركب عبارة من احدى ضواحي كمبالا لتسير بي في البحر ( كما يسميه ) ساعة من الزمن كي اصل الى تلك الجزيرة التي يعيش فيها ..
كان لايزال زميلي الشلتوني في كينيا .. وكنت احاول ايجاد افكار انفذها ريثما يعود لاستغل الوقت الذي يمر ثقيلا بلا عمل .. اتفقت مع سائقنا الذي استاجرناه طوال فترة بقائنا هناك .. وبدوره اخذي الى جمعية العون لاغاثة مسلمي افريقيا ( فرغ كمبالا ) لاحصل منهم على بعض المعلومات التي تفيدنا في التقرير عن حياة المسلمين بشكل عام .. فاستقبلنا مدير المركز وهو من مصر مع بعض زملائه ..
واخبرني بانهم ينضمون رحلات دعوة في القرى النائية ليعلموا الناس الاسلام وكافة الفريق العامل معه يجيدون اللهجات المحلية كالسواحيلية الى جانب الانكليزية .. ثم رشح لي مرافق من زملائه لياخذني الى المستشفى التابع للجمعية وقمت بتصويرها وتصوير مرافقها والخدمات التي تقدمها للناس هناك ...
بعد يومين اتصلت بالشيخ واخبرته بانني قادم اليه صبيحة اليوم التالي وقلت ( يارب يعرف السائق كيف يوصلني الى العبارة قبل المغادرة لان لها موعد محدد للرحيل والعودة ..) وكان السائق احيانا يسير ببطئ شديد .. ورافقني في هذه الرحلة .. موسى .. وهو اوغندي مسلم خفيف الضل ومرح جدا كان بمثابة الدليل والمترجم اذ يترجم من اللهجات المحلية الى الانكليزية ..
سرنا فجرا بالسيارة الى خارج كمبالا .. وبعد معاناة وصلنا الى المرفا اذ لم يكن احد يعرف مكانه بالتحديد .. وركبنا العبارة بسيارتنا .. وكنت اصور طوال الرحلة .. كنت اتوقع ان ارى جزيرة صغيرة .. ( وهذه اول مرة في حياتي اذهب الى جزيرة بمعنى جزيرة في المياه ) وعادت مخيلتي الى فلم كاست ووي للمثل البارع توم هانكس .. وكيف وجد نفسه في جزيرة لوحده .. فهكذا كان انطباعي عن الجزر .. مزيج من حكايات الافلام وبقايا قصص الطفولة ... فاذا بي افاجئ عند وصولنا بجزيرة عظيمة .. جبال وغابات .. واكواخ ... اتصلنا بالشيخ ووصف لسائق المكان الذي علينا التوجه اليه لملاقاته .. فسرنا بالسيارة قرابة الساعة .. في طرق وسط غابات كثيفة .. تكاد لا ترى الشمس اذ تعانق الاشجار بعضها البعض من جانبي الطريق ..
فتحت سقف السيارة المتحرك ووقفت والكاميرا على كتفي اصور الطريق .. واتفرج على العشرات من
قردة البابون وهي تقفز من غصن لاخر وتصرخ اما مرحبة بنا او العكس ..
وشاءت الاقدار .. ان يبدء خط الاستواء الذي يمر من فوقنا بترحيبه التقليدي .. اذ فجاة ودون مقدمات
تلبدت السماء بالغيوم وبدء المطر .. مطر .. مطر .. كانه خراطيم مياه لاتتوقف ..
وصلنا الى المسجد .. ونزلت جريا من السيارة ومعي السائق وموسى .. لكن السائق ضل واقفا في
المطر .. ولم يدخل .. فناديته لماذا لاتدخل .. قال .. ها !! لا دعني هنا ..
قلت تعال ستمرض اذا بقيت تحت المطر ... قال انا مسيحي .. !!
فخرج اليه الشيخ بنفسه وامسك يده وشده الى داخل المسجد .. قال تعال ياصديقي .. اهلا بك
كان للشيخ غرفة ( تشبه المكتب ) صغيرة جدا على جانب الحرم .. فيها كتب فقه ومصاحف ومجلات
ونشرات ..
نادى الشيخ على احد تلاميذه ليقوم بضيافتنا .. فغاب الشاب ثم عاد باطباق فيها سمك مقلي .. نعم فنحن
في جزيرة .. والسمك يمثل ثلثي طعامهم ..
وقدم الطبق الاول لصديقنا السائق ( المسيحي ) فاعجبني تصرف الشيخ .. ثم بعد انتهائه اي السائق
من الطعام اتى الشيخ باناء واخذ يصب الماء على يد السائق كي يغسل يديه .. فقلت للشيخ عنك اعطني
الابريق انا اصب له .. ( قال لا بل انا بنفسي اصب له الماء لانه ضيف عزيز وعلي كرم وفادته ) ...
اخذت نفسا عميقا وتحسرت .......
قمنا بجولة في المسجد وشاهدت الاطفال يتعلمون القرآن ويتعلمون كتابة اللغة العربية .. ولا استطيع
ان اصف لكم المشهد ... يتعلمون الحرف العربي الجميل .. يخطونه على الواح خشب .. وبالكاد
ينطقونه ... هنا تذكرت الملايين من الذين باتوا يتراسلون بالانكليزية عبر الرسائل القصيرة في هواتفهم
النقالة وهم عرب ... عرب .. اوكي ... تيك كير ... بليز كول مي .. وعشرات الرسائل التي تصلني كل
يوم .. وبين الالف تصلني واحدة بلغة الضاد .. لكننا مبدعون .. ونعتز بلغتنا حيث صرنا نكتب العربية
باحرف لاتينية ... ( ramdan kareem we kol sana we anto taybeen ) ..
بعدها جلست مع الشيخ اساله عن احوال المسلمين .. ودار الحوار التالي :
اخبرني ياشيخ عن المسلمين هنا ..
- يا اخي نحن نعيش في خير كبير هذه الجزر فيها كثير من المسلمين وانا مسؤول عن جميع المسلمين
في هذه الجزر .. وهم في ازدياد كبير
- عفوا !! ماذا تعني بازدياد ؟
- يا اخي كل يوم ياتي كثير من القرويين يريدون الدخول في الاسلام .. وكثير من النساء تاتي تقول خذي
ابني هذا اجعلوه مسلما فقط انتم اطعموه واصرفوا عليه ..
- لقد رايت في المسجد الكثير من الاولاد وهم مختونين حديثا هل يعني هذا انهم مسيحيون او كانو
مسيحيين ؟
- نعم وكذلك الوثنيون ..ايظا يدخلون في الاسلام
- طيب اسمحلي بسؤال قد يكون غريبا نوعا ما لكنه فضول الصحافة .. لماذا يدخلون في الاسلام ؟
- يا عزيزي ثق نحن لانكلمهم في الموضوع هم يرون المسلمين يتنظفون ويساعدونهم ويلتزمون في
العهود واخلاقهم حسنة فيقولون لنا نريد ان نصبح مثلكم ..بل نقول لمن اراد ان يسلم اذهب وفكر جيدا
كي لايكون اعتناقه الاسلام فورة عاطفية انية بل عن قناعة ..
- قلت افهم من كلامك ان اخلاق المسلمين هنا هي السبب ؟
- قال بالتاكيد فانت ترى حالنا لسنا اغنياء وليس لدينا ما نعطيهم ورغم ذلك هم يقبلون على الاسلام
-متى اسلم اخر من اسلم هنا ؟
-قال منذ اسبوع اتت امراة عجوز واعلنت اسلامها وكذلك صبي في 14 من العمر
- هل تواجهون عقبات كمسلمين في اوغندة ؟
- بصراحة الحكومة الاوغندية تعاملنا ككل الاوغنديين بالعكس حين نطلب منهم مساعدة يحاولون توفير
المستطاع
- اقصد عقبات في حياتكم اليومية
- والله يا اخي نحن بحاجة الى دعم .. انظر هذا المسجد بني بتبرع شخص عربي وهذا اسمه مكتوب
عند باب المسجد حيث تبرع ببناء هذا المسجد وثلاث اكواخ حوله نسكن فيها الايتام .. وانا اقول لك
لانستطيع قبول الكثيرين من الايتام الذين يعتنقون الاسلام لاننا لانملك مكانا نسكنهم فيه ..
- كم يكلف بناء مسجد كهذا يعني بين 10الاف والعشرين الف دولار
- ثم استرسل الشيخ اقول لك عشرات المبشرين جاؤوا وهذا حقهم فكل واحد يعرض دينه والناس هي
التي تختار ما تراه الحق .. وهم يملكون كل شيئ زوارق حديثة بيوت مكيفة جاهزة وكثير من الامكانات
لكنهم لاينجحون ... ونحن لانملك حتى زورق لننتقل بين الجزر ولانملك شيئ لكن بل لانفعل اي جهد
الناس هم ياتون لنا ليسلموا
خرجنا من المسجد الى السيارة وكان المطر يابى التوقف واتجهنا الى حي قريب فيه مسجد من القش مساحته عشرة امتار في اربعة امتار .. محرابه من القش وسقفه ينزل منه المطر ..ارضه من الحصى .. لاكهرباء فيه .. فيه رجل شاب .. قام يؤذن بنبرته الافريقية واخذ يكنس المسجد ليصلي الناس
فيه ..
عدت مع شيخي لاوقفه تحت شجرة لاصوره وهو يتحدث والمطر ينزل بكثافة فقال قف انت تحت ضل الشجرة كي لاتتعطل الكاميرا ووقف هو تحت المطر .. ليسرد لي الحكاية .. وليجيب على الاسئلة ..
وحوله الايتام الذين يربيهم في هذا المسجد .. حان موعد العودة الى المرفا لان العبارة لاتنتظر .. قلت ان المطر منعني من ان اصور كل التفاصيل .. لكن سابذل جهدي ليصل الموضوع للمشاهدين ودعنا الشيخ .. وعانق صديقنا السائق الشيخ والح عليه بان يكرر الزيارة .. ثم غادرنا الى المرفا ..
وركبنا العبارة .. ورن هاتف موسى المحمول .. تكلم موسى .. وكنت انظر اليه وهو يضحك بطريقته المعهودة .. واذا به يبكي فجاة استغربت .. قلت موسى ماذا حدث ؟؟ استمر ببكائه وناولني الهاتف .. قلت الو نعم !! واذا به الشيخ .. قال يا اخي سبحان الله .. تجمع اهل القرية وهم يتفرجون عليكم وانتم تحملون الكاميرا وبعد مغادرتكم جاء الناس يسالون من هؤلاء فقلت صحفيون واصدقاء جاؤوا لزيارتنا .. قالوا هل يعرفوك ؟ رد الشيخ لا ... قال احد الواقفين قطعوا كل هذا الطريق وهم لايعرفوك ؟!!! قال الشيخ نعم .... قال الرجل الذي يساله هل هم مسلمين ؟ رد الشيخ نعم .. قال ياشيخ اريد ان اصبح مسلم ... فسال الشيخ لماذا ؟ قال الرجل اناس لايعرفوك ويقطعون تلك المسافة ليسلموا عليك ويتعرفون على احوالكم ورايتك تودعهم كانهم اهل وتحتظنهم هل انتم هكذا تتواصلون يامسلمين اريد ان اصبح مسلم ..... ( كان هذا نص ماقاله لي الشيخ على الهاتف ) ..
فهمت لماذا بكي موسى .. وطوال طريق العودة كف عن دعاباته التي كانت تلازمنا في رحلاتنا معه وضل شاردا في ذهنه طوال الطريق .. وكنت اتطلع لوجه واحوال قراءة افكاره .. نعم ياموسى نزلنا الى البر .. وتهنا في طريق العودة ( كالعادة ) مع صديقي السائق الا اننا هذه المرة عشنا حالة فريدة .. اذ اكتشفنا اننا نسير في مضمار سباق سيارات بعكس الاتجاه .. بعد ان فاجاتنا سيارات باتجاهنا بسرعة هائلة .. وكدت اموت من الضحك وانا اصرخ بالسائق .. فانعطفنا الى طريق زراعي وبعد طول بحث عدنا الى كمبالا سالمين .. وبعد العودة من السفر قام الزميل امجد الشلتوني باعداد التقرير الذي بث في برنامج حديث الصباح ( عن المسلمين في افريقيا ) واخذ اوغندا كنموذج .. وكان ابطال التقرير الشيخ .. والاطفال ... وجزر بحيرة فكتوريا
|