|
(العراك بين المعتقلين والشيعة والشغب)
حسين دلي ـ الجزيرة توك ـ خاص
كان من السلبيات كما ذكرنا التي كانت تأخذ الكثير من أوقاتنا هي حل المشاكل وكنت في البداية أرقب طرق الهيئة الشرعية والإدارية في كيفية التواصل مع الناس وكان يرأس الهيئة الشرعية في حينها الشيخ عبد الكريم السامرائي وعضوية الشيوخ خميس العلواني وصفاء السامرائي وجمال العيساوي وكان من طبيعة المخيمات كثرة المشاكل التي تحدث هنا وهناك سواء في النزاع حول عدد المعتقلين في الخيمة الواحدة فبعض الخيم كانت تضم عشرة معتقلين فوق سعتها ومن المشاكل ماتحدث أثناء توزيع الطعام وهذا ما يؤسف له ومنها عراك يحدث في مباريات كرة القدم فقد كان المخيم يضم ملعباً للكرة وإن كان ذا حجم صغير.
لكن أبرز المشاكل كانت تتعلق باتهامات توجه لبعض المعتقلين الذين باعوا أنفسهم بالتجسس للأمريكان حول بعض المعتقلين ممن كانوا في خط المقاومة والفصائل المسلحة أو الوشاية عن أنفاق الهروب حيث يلجأ هولاء للإقتراب من الأسوار الخارجية ورمي أوراق تحتوي أرقام المعتقلين المطلوبين أو انتظار فرصة الخروج من المعتقل للعلاج أو رمي النفايات في المكبات للغرض ذاته.
وهذا ما تطلب خروج بعض المعتقلين عن ضوابط المخيمات إما بالانتقام من هولاء الخونة بضربهم ولهم كل الأعذار بذلك فالكثير من المعتقلين إنما دخل السجن بوشاية أو عمالة من بعض الناس في خارج السجن أما أن يجدوا نفس الشيء داخله فهذا مما لا يحتمل ولذا كانت الهيئة الشرعية تفتحتحقيقاً عن طريق بعض من تختارهم من المعتقلين ممن لا يعرفهم إلا الهيئة الشرعية في جمع الأسرار وهناك أيضاً المجموعة الضاربة التي تمثل هيئة الضبط وهذه الأخيرة اختلفت ما بين مخيم وآخر فكانت منضبطة في مخيم ومنفلتة في آخر لكن أكثر المعتقلين يعتبرونها ضرورية لضبط المعتقلمن كثرة المشاكل خاصة إذا علمنا أن أفرادها من مختلف المناطق وبرعاية وجهاء وعقلاء تلك المناطق نفسها.
أبرز المشاكل التي حدثت والتي سبقت مجيئنا إلى بوكا بأيام كانت المعركة التي نشبت بين المعتقلين السنة وهم الأغلبية الساحقة وبين المعتقلين الشيعة ولا يتعدون 10% من مجموع المعتقلين.لكنهم في المخيم الثالث كانوا يؤلفون ثلث المعتقلين في الأيام التي كانت المخيمات فيها مختلطة لكن حدث أن اعتدى معتقلون شيعة على معتقل سني فضربوه وأدموه مما استوجب نقله إلى المستشفى وكان هولاء الشيعة يتزرون بتكتلهم خلف حازم الأعرجي أحد أبرز قياداتهم في بوكا لكن يبدو أن ذلك الحادث كان الشرارة التي أشعلت مواجهات داخل المخيمات الثمانية في ذلك الوقت خاصة وأن كثيراًمن المعتقلين حاولوا رد الصاع كما يقولون من جهة ومن جهة أخرى كان المعتقلون يرون في الشيعة أنهم الشرطة والحرس الوطني ومن بعدهم الحكومة التي زجت بهم في السجون وأنهم الذين كانوا عوناً لقوات الاحتلال في البلد ناهيك عن الخلاف العقائدي بين الطائفتين فكانت معركة كبيرة اضطرت القوات الأمريكية التي تركتها تندلع للوهلة الأولى على التدخل لفض العراك بنحو ثلاثمائة جندي توزعوا على المخيمات الثمانية حيث أصيب نحو ثمانين معتقل من الشيعة الذين عراكهم شديداً أيضاً على حد وصف المعتقلين استخدمت فيها أوتاد الخيم فخرج المعتقلون الشيعة للباب الخارجي يطلبون الخروج وبعد أيام قضوها في العراء بجانب السور الخارجي أفرغت القوات الأمريكية لهم المخيم الثالث فتجمعوا فيها ولم يبق من معتقلين شيعة في باقي المخيمات.
ومنها أيضاً ما يعرف بعرف المعتقلات الشغب والإمتناع عن التعداد الذي كان المعتقلون يعتبرونه وسيلتهم الوحيدة للإعتراض على الممارسات الأمريكية من التفتيش المهين بين الفينة والأخرى ومنع المستلزمات الصحية وسوء الطعام في الكثير وقلة عدد الزيارات من الأيام فضلاً عن المعضلة الرئيسية التي كانت تؤرق المعتقلين وهي عدم النظر في قضاياهم فكان المعتقلون لا يعرفون متى ينظر في قضاياهم ومتى يخرجون ومنهم الذي أمضى سنتين كما في حالتي فأنا لم أعرف تهمتي حتى بعد خروجي فلم توجه لي أية تهمة طيلة التسعة عشر شهراً التي قضيتها هناك،ولو عدنا إلى التفتيش والزيارات فلا بد من بيان الحالة السيئة فيها..
كانت عمليات التفتيش تقلب الخيم رأساً على عقب فلا يعرف المعتقلون أغراضهم وملابسهم إلا بصعوبة ناهيك عن الحفر التي يتركها الجنود خلفهم بحثاً عن آلات حفر الأنفاق أو الأنفاق نفسها التي كان يستخدمها المعتقلون في الهرب وبالطبع كان الهارب الذي يمسك يزج به في مخيم الكبس وهو ذو برودة شديدة تعجزعن الوصف يبقى فيها المعتقل ثلاثة أسابيع أو أكثر لا يرى الهواء الطبيعي فيها إلا بالليل وأريد أن أحدثكم عن نفقين حفرا في المخيمين الرابع والخامس أما الذي في الخامس فقد وصل إلى نهايته خارج الخندق الخارجي للمعتقل،أما طريقة الحفر : فكان المعتقلون يحفرون من تحت إحدى قطع الخشب التي تغطي أرضية الخيم بقطع حديد كبيرة يصنعونها من رؤوس اأوتاد الخيم على شكل آلة الحفر( المسحاة) وسبق أن ذكرنا أن تربة بوكا رملية تحفر باليد ثم يستخدم المعتقلون في التنفس وسيلتين الأولى:الوتد نفسه وهو أنبوب مجوف فعندما يصلون إلى مسافة معينة يلجأ الحفارون إلى سحب الرمال بطرقة عكسية حتى يصل أعلى الأنبوب إلى وجه الأرض ويستنشقون الهواء منه أو عن طريق ملء كيس بالهواء وغلقه داخل النفق وهذه كانت طريقة صعبة أما الإضاءة فكانوا يستخدمون مصباح الإشارة أو ما يعرف بمصباح الذبابة لصغر حجمه وهذا حصلوا عليه من أجهزة الراديو التي كان أهالي المعتقلين يجلبونها لهم قبل منعها وكان الحفارون يوسعون مكانهم كل عشرة أمتار لأجل إعداد دائرة يستريحون فيها وينقل التراب والرمل قدور الطعام البلاستيكية فيكون النفق بالنهاية بعمق مترين وعرض متر واحد يتخلله استراحات ويتناوب عليه نحو عشرين أوأكثر قليلاً من المعتقلين لضمان السرية وكانوا يغطون وجه الحفرة بقطعة خشب ثم يهيلوا عليها التراب.
نفق المخيم الخامس امتد لنحو ثلاثمائة متر والذي في الرابع امتد نحومائتي متر وبدون أي صلة بين الاثنين واستغرق نفق المخيم الخامس أربعين يوماً حتى أنهم استخدموا قطع كارتون كبيرة ورصفوها مع بعضها بالخيوط ثم طلوها بالمربى التي يوزعونها في الإفطار حتى يلتصق عليها التراب وغطوا بها جهة فتحة النفق الخارجية، وصدقوا لأيها الأعزاء أنهم حفروا نفقين إضافيين بمسافة عشرات الأمتار للتغطية على النفق الأصلي ولم يعرف الأمريكان به رغم كل حملات التفتيش إلاعن طريق الجواسيس واستطاع الأمريكان العثور عليها كلها واحداً تلو الآخر لكن النفق الأخير بقى عاصياً عليهم لمدة أسبوعين وقد يتسائل البعض : لمَ لم يخرج المعتقلون ما دام النفق قد جهز والسبب أيها الأعزاء أمران :الأول أنهم كانوا ينتظرون هبوب عاصفة أو ضباب تقل فيه الرؤية فقد كان مخيم بوكا يحاط بدوريات دائمية مع حراس الأبراج والثاني أنهم كانوا يرتبون الطريق ومن يستقبلهم من أهل السنة في البصرة لتبديل ملابسهم ولتوفير وسائل النقل،لكن قدر الله وما شاء فعل فقد طلب الأمريكان ذات يوم الخروج إلى ساحة التعداد في غير وقت التعداد وكان المعتقلون يفهمون منه بأنه تفتيش عن الأنفاق وكان الجو حاراً جداً في الشهر الخامس من عام 2005 على ما أظن وبعد ساعات وصلت الحفارات إلى مكان النفق مما شكل صدمة وحسرة كبيرة لأنه كان يحضر لهروب نحومائتي معتقل ثم بعد أسبوع كشفوا نفق المخيم الرابع فعوقب المخيمان بمنع الطعام الطبيعي واستبدلوه بطعام معدل أغلبه حار الطعم لم يستمرئه كثير منا وقللوا من كمية الماء الضعيف أصلاً ثم أغلقوا الحمامات فتظاهر المعتقلون وامتنعوا عن التعداد وتسلحنا بما نستطيع وتلثم الكثير منا خشية التعرض للماء المسيل للدموع أو التحضر للإقتحام ربما... وكانت هذه المرة الأولى.
حلقات سابقة
|