|
محمود درويش لم يوقف الشمس في حيفا.. لكنه لم يطفىء السراج
رماح مفيد ـ الجزيرة توك ـ حيفا
كانت زيارة محمود درويش الى حيفا بعد 40 عاما من الغياب بمثابة تحقيق حلمٍ لابن في لقاء أبيه الغائب جسدا الحاضر وجدانا في ذاته طوال سنين الإغتراب الطويل. ولقد شاطره كل من توجه لحضور أمسيته الشعرية الحلم وتحقيقه ، وهم الذين توافدوا زرافاتٍ ووجدانا رغبة منهم في ان يشحنوا الطاقة الثورية في ذواتهم وان يستمدوا من المد الثوري الدرويشي ما يشحن الطاقات ، ويشحذ العزائم كما هو دأب كل من سمعه عيانا أو عبر التلفاز ، بيدَ أن محمود درويش كان هادئا كالبحر وإن اضطرب الموج الهادر في أعماقِ ذاته.لم يلهب محمود الجماهير الآتيه من بعيد لسماعه والتي أتى من بعيد لأجلها ، ولأجل أن يسمعها خلاصة قصائده.
فقد كان وراء الأكمة ما أفسد بهجة العرس ...
فالحقيقة أن من حضر الحفل لم يذهب ليستمع فقط إلى ما يكتب على أوراقٍ صفراء بقدر ما ذهب ليؤكد التوحد في الإلتفاف حول رمزٍ من رموز الوطن .... رمز دأب أن يثير فينا الحس الوطني ، ويعلمنا الحرية على منضدة قصائده إذ يكفي ان تلفظ اسم محمود درويش لتتهيج في داخلك مشاعر القومية والوطنية في أجمل وأعتى صورها ، ولهذا ذهب من ذهب وفي ذهنه أنه سيساهم في تحلق الشعب الواحد حول الرمز ، وليعزز العلاقة المتبادلة بين المتلقي والشاعر: الشاعر الذي يشحن بشعره المتلقي بما يعزز صموده في وجه الإحتلال والتهجير ، والمتلقي الذي يشحن بحبه الشاعر بما يعزز صموده في وجه آلام الإغتراب ، وتباريح الشتات.

بيدَ أن الحقائق على مسرح الحدث لم تكن كذلك ..

فالجبهة راعية الحفل كانت كعجوز شمطاء فقدت شبابها ، ففقدت معه القدرة على تنظيم حتى حفلٍ بهذا المستوى ، تم انتظاره طويلا من قبل شرائح الشعب التي لم تفقد بعد انتماءها للوطن ورموزه.
فكانت الأمسية جبهوية من الطراز الأول، فإذا نظرت حولك هنا أوهناك لا تكاد ترى احداً غير أعضاء الجبهه ، ولو أرجعت البصر كرتين لعاد إليك حسيرا لا يحمل غير صور أعضاء الجبهة نفسهم.
فتتسائل وقد بدأ ذهنك يربط الأحداث التي سبقت الحفل وتأويلاتها :
كيف كان للتذاكر ان تطبع في السادسة مساء وتنفذ في التاسعه صباحا ؟
اي أنه قبل الإعلان عن بيع التذاكر ؟ نفذت التذاكر !

وعليه لم تكن نفذت خلال 24 ساعه كما أشيع ، لا سيما وقد سمعتَ لغطاً حول الطريقة الخيالية التي كان عليك ان تسلكها لتحصل على التذكرة لتدخل من أجل سماع شاعر فلسطين الأول، إذ كان عليك أن تقف عاجزاً أمام سدٍ من العوائق يتوجب عليك اجتيازه ما لم تكن من أعضاء الجبهة.
الجبهة التي تعاملت مع جمهور محمود درويش ،وكأن محمود ملك لها وحكر عليها ،فحولت اللقاء الذي طال انتظارنا له من لقاء برمز مع شعبه الى لقاء خاص بها مع الرمز .
لقاءً يكاد يخلو جدول أعماله إلا من سرد طويل بعيد أكثر ما يكون البعد عن جوهر الأمسية ،وظف لمديح ممل للجبهة ، و لقدرتها على التنظيم الذي ما ان تنظر حولك حتى تكتشف الحقيقة المغايرة.

وهذا ما مسخ الحدث الذي كان يفترض أن يكون الأجمل في حيفا..إذ كانت الجماهير وهي تصغي إلى درويش تنظر بعيني البصيرة إلى الماضي بألم ، وإلى المستقبل بأمل ٍ، بيدَ أن من أدمنوا المناصب السياسية كانوا يقتلون فينا الحاضر من أجل مكتسبات حزبية كان حريا بهم تحقيقها بعيداً عن محمود درويش ولقائه بجماهيره التي أحبها وأحبته..ولكن هيهات !
|
كنت اعتز به فبل ان اعرف حقيقته
يا للاسف هكذا تباع ضمائرنا واشعارنا