|
عيون الساقية الحمراء تتدفق شعرا.. |
|
|
|
14/07/2007 |
ماء العينين شبيهن – الجزيرة توك – العيون
وأنت القادم لمدينة العيون يستوقفك التاريخ فجأة وتتناسل إلى مخيلتك كل الأسئلة عن المكان والزمان، وهل هذه هي الارض الخلاء كما حكت زورا بعض كتبه.. وقبل ان تغرق في الذاكرة تأذن لك الجغرافيا بالدخول..كيف لا والمدينة الجميلة، المترامية الأطراف على جنبات الوادي تحضر نفسها لتعلن انطلاقة فضاء شعري يؤثث المكان..هي كبرى محافظات الصحراء إذن تركت همومها إلى حين وفتحت ذراعيها لاستقبال اهل القريض..إنهم الشعراء القادمين من خلف الغيوم تتبعهم القوافي تنسج عشقا أبديا بين ثنايا الرمل والحجر..
وهكذا يعود الشعر إلى الساقية الحمراء بكل ألوان الطيف متألقا ومتدفقا، تماما كا تدفق الماء في العيون من كل الخلجان ليروي الشجر والبشر..وإن نضب الماء وجفت الينابيع بقيت المشاعر الفياضة المغرقة في الرمزية والدلالة ..جاء الجميع اذا مشاركون وحضور وقد كانت أهاتهم مشتتة فاثرت العيون توحيدها..
انتصبت اعمدة خيمة الفكر والابداع وشكل الشعر رافعتها لاساسية..وانبرى الجمع يناقش الدلالات الثقافية والجمالية والابعاد الجمالية في الشعر العربي الشعبي..في الصحراء يسمونه "الشعر الحساني" وهو متعدد المسالك والبحور وفي الخليج يدعونه "الشعر النبطي" وتختلف مسمياته من منطقة لاخرى..هي اذا زيجة مباركة بين أنماط من الشعر الشعبي تكاد موضوعاتها تتشابه لحد التماهي..فهذا يحن للأمجاد الغابرة وذاك يبكي على اطلال ليلاه واخر أضناه العشق والصبابة والهوى..هي اذا المواضيع ذاتها وان تاثرت بسلطة المحيط في أحايين عديدة..

وحسب القيمين على اللقاء فالعيون المكان الأنسب لرفع اعمدة هذه الخيمة على إعتبار انها مكانا رحبا ومرتعا خصبا لهذا النوع من الشعر ودارا للتلاقي وقاطرة للتواصل بين الشعراء الحسانيين بغيرهم من الشعراء النبطيين في دول الخليج والحورانيين من بلاد الشام والحمينيين في اليمن والعاميين في مصر..فجاء الحضور متنوعا من شتى البلدان العربية : المغرب، موريتانيا، ليبيا، مصر، لبنان، سوريا، السعودية، العراق، الامارات، الكويت، الاردن، اليمن، وعمان..


وتعددت القراءات الشعرية، والمحاضرات التي نحت في اغلبها الى المكانة الكبيرة للشعر الشعبي على اعتبار انه الحاضنة الأولية للمبدعين..وهو الوعاء الذي تنسج من خلاله قصائد تختصر مكامن القوة والضعف وتعبر عن ما يخالج الأنفس وتصبح ملكا لكل من وجد بقياه بين ابياتها.. فالشعراء اكثر من غيرهم يدركون حقيقة ان كلماتهم حينما تصير شعرا ما عادت ملكا لهم..

وبالتالي يعبرون عن الذات الإنسانية في حياتها اليومية وصراعاتها المتعددة..
ولأن الوطن العربي مثقل بالجراح والتي تجعل مساحة الفرح فيه تتضاءل، أفردت العيون جانبا من أشعارها لهموم الأمة..فهذا الشاعر السوري، عمر الفرا يتغنى ببطولات حزب الله اللبناني وصموده أمام الجبروت الإسرائلي فكانت الأبيات التالية :
صار الدم العربي سكيناً و ذباحا و صار الشعر بعد الصمت في الساحات صداحا
كذا صرنا و لن نبقى إذا كنا تناسينا جهاد الحق و الإيمان
و أن الشعب رغم الذل رغم القهر يرفع راية العصيان
يصمم أخذها غصباً و يأخذها , كذا فعلت رجال الله يوم الفتح في لبنان
لأن الشعب كان هناك يرفض فكرة الإذعان
لأن جراحهم نزفت و نخوة عزهم عزفت نشيد المجد للأوطان
لأن الأرض مطلبهم و نور الحق مركبهم , تجرد من بقيتهم رجال آمنوا , قرؤوا : "
إذا جاءَ
رجال عاهدوا صدقوا و قد شاؤوا كما شاء
صفاء النفس وحدهم فجلُّ حديثهم صمتٌ و كان الصمت إيماءاً إذا هبوا كإعصار فلا
يبقي و لا يذرُ
لهم في الموت فلسفة فلا يخشونه أبداً , بذا أمروا
لأجل بلادهم رفعوا لواء النصر فانتصروا
جنوبيون يعرفهم تراب الأرض , ملح الأرض , عطر منابع الريحان
جنوبيون يعرفهم سناء البرق , غيث المزن , لون شقائق النعمان
نجوم الليل تعرفهم , و شمس الصبح تعرفهم , و بوح الماء للغدران
و قد عرفوا طيور الحب , فك السيف , شعر الفرس و الإغريق و الفينيق و اليونان
لهم علم و معرفة لمن سادوا و من بادوا و موسيقى بحور الشعر , و كيف يحرر الإنسان
جنوبيون كان الله يعرفهم , و كان الله قائدهم , و آمرهم , لذا كانوا بكل تواضع
كانوا رجال الله يوم الفتح في لبنان .
انتهى اللقاء على امل اللقاء..وراح كل إلى غايته..وبقيت في المكان ملامح قصيدة لم تكتمل..وهبت نسائم الصحراء على خيمة الفكر والإبداع معلنة بداية الحكاية..
|