|
حسين دلي ـ الجزيرة توك ـ خاص

كنا في هذه الأيام ونحن نترقب المغادرة إلى سجن بوكا الذي قلنا إنه يقع في أقصى الجنوب العراقي في مدينة أم قصر كنا نشهد وبسرور نزول قذائف الهاون على أماكن تركز الجنود والآليات الأمريكية ويحدثني بعض من كانوا قد دخلوا سجن أبو غريب سابقاً وممن أمضوا فترة قاربت السنة في السجن أن هذه القذيفة وهي مثلاً من عيار 120 ملم سقطت فوق المستودعات أو أن هذه القذيفة وهي من عيار 80 ملم سقطت فوق ثكنة الضباط ..إلخ فكانت الأولى يطلق عليها حمادي والثانية حماد ..
واستغربت من هذه التسمية فلما سألت عنها أخبروني أن حكيم أحد المعتقلين كان يخدم خلال الحرب العراقية الإيرانية في الجيش العراقي في وحدة الهاون فيمتلك خبرة تمكنه من معرفة نوع القذيفة من قوة سقوطها ويرأس تلك الوحدة ضابطان متخصصان أحدهما الأعلى رتبة وهو حمادي يطلق اسمه على القذيفة الأقوى والثاني واسمه حماد يطلق على الثانية وكانوا يضحكون ويتمازحون يوميا تقريباً كلما سقطت القذائف ونتصارع حول تسميتها وكان الفيصل في ذلك لحكيم ومن تلك الأحداث الدراماتيكية أنّ دفعة من الاستئنافات التي قلنا إنها تمثل التهم التي بسببها يبقى المعتقل فترة قليلة أو كثيرة، ومن أغرب
 التهم التي رأيتها ما وُجِه لبعض الإخوة من عشيرة الجنابيين وهذه العشيرة من أشهر عشائر المقاومة وتتركز في مناطق جنوب بغداد في (اللطيفية وجرف الصخر واليوسفية) المعروفة بمثلث الموت من تهمة مضحكة ساخرة والتهمة كانت (جنابي،وهابي،إرهابي) وكذا العم أبو محمد وكان عمره يقارب الثمانين ولا يسمع إلا عن طريق جهاز للسمع انكسر أثناء مداهمة القوات الأمريكية لبيته في الفلوجة وكانت تهمته المسؤولية عن تفخيخ السيارات فلما وصلته التهمة وكان لا يعرف القراءة فصرخ- مرافقه وجاره الأخ خالد الذي اعتقلوه معه- في أذنه ليسمعه أن تهمتك هي المسؤولية عن التفخيخ
فقال ما هو التفخيخ فقلنا ساخرين الحمد لله أن كبارنا وبهذا العمر يشتغلون بالتفخيخ
ولك أخي القاريء أن تعرف نوع الإعتقالات وحجم التهم والكم الهائل للمعتقلين بل وحدثني أحدهم وهو الأخ أبو أحمد أن الضابط الأمريكي المحقق أخبره أن تكلفة اعتقال العراقي طيلة سنة كاملة لا تعادل 10% من قيمة همر واحدة يمكن أن يدمرها هذا العراقي بعبوة ناسفة وبالتالي فإن الشك به يكون كافياً لاعتقاله وهذا ما يفسر سبب وجودأكثر من عشرين ألف معتقل في السجون الأمريكية ناهيك عن السجون العراقية .
عملت القوات الأمريكية على تقسيم أبو غريب إلى أقسام جديدة وكانت التهم الثقيلة ترقد في قاعات قسم( فيجيلاند) حيث يتعرض المعتقلون للتعذيب والتحقيقات المتكررة الشديدة ويضم نحواً من مائتي معتقل وغالباً فإنهم سيبقون لفترة طويلة في المعتقل.
أما القسم الثاني فيسمى (غانزي) ويضم أغلب المعتقلين وهم الذين يمضون الفترة الأولى في السجن والأكثر منهم لا يمضون إلا بعض الأشهر قبل الإنتقال إلى سجن بوكا وينقسم إلى أربعة معتقلات تضم كل واحدة منها نحو ستمائة معتقل .

والثالث وهو (بايسون) ويضم خيماً منفصلة معزولة بعضها عن البعض الآخر وعن طريق أسلاك ولكن الرؤية والكلام بين المعتقلين عبر الخيم ممكنة وتضم مئات أخرى.
أما الأخير فهو سجن الإفراج وينقسم هو الآخر إلى قسمين بحسب وقت الإفراج وهؤلاء يقعون قرب قاعات الفحص والأمانات التي تؤخذ من المعتقلين بعد اعتقالهم قبل توزيعهم إلى المخيمات وغالبها لا يستلمه المعتقلون عند الإفراج عنهم والسبب معروف.
بقي أن نشير في آخر كلامنا عن أبي غريب وأحببت أن أختم به الأحداث الدراماتيكية وهي مسألة التعذيب والانتهاكات الذائعة الصيت التي سمع بها العالم كله وملخصها أن طبيعة المعتقلات الأمريكية مهينة من أولها إلى آخرها سواء كنت متهماً أومشكوكاً بك فكل المعتقلين يتعرضون للتعري والتفتيش المذل، وهذا للتأريخ الذي سيذكر ذلك بعدآلاف السنين إن مد الله بذلك وكانت الانتهاكات تتركز في سجن فيجيلاند ومما ساعد على ذلك موافقة الضباط على هذه الأمور بعد أن يئسوا من التحقيقات فلجأوا إلى هذه الطريق ويكفي أن أقول أن المئات من المعتقلين وعلى فترات كثيرة امتدت لأكثر من عام تعرضوا لتلك الممارسات كما أخبرني بذلك العديد من المعتقلين بل وبعض من تعرضوا لتلك الممارسات ممن عرف عملي في الصحافة وأن ما نشر لا يتعدى نصف الانتهاكات وأما التعذيب فما علمته يشيب له الولدان وهذا يفسر مدى الاستهانة التي يعامل بها العراقيون في ظل سيطرة على كل شيء من مقدرات وإمكانات البلد وعدم وجود شخصيات مؤثرة في النخب التي تصدرت المشهد العراقي إن لم تكن متواطئة مع الأمريكان خاصة إذا علمنا أصلها وفصلها، وقسم من أولئك المساكين باتوا أسرى أمراضهم النفسية من سوء المعاملة والقائمة تطول عندالتفصيل.

أما الطعام فعليك ان تقف بالدور لتنال في الفطار رغيفين بسيطين وصحناً يضم جبنا ً ومربى وشاياً أقرب إلى كونه ماءاً ملوناً بالسواد وفي الغداء يضم الصحن ملعقة كبيرة من الرز وأخرى من المرق مع برتقالة وعصير وفي العشاء نفس الملعقتين مع حليب وتفاحة صغيرة لكن بدون خبز وقد ينقطع البعض من تلك المكونات في فترات كثيرة ولكن الشيء الوحيد الذي لا ينقطع هو السكائر إلا في حالة الشغب عندما يتظاهر المعتقلون لأسباب كثيرة
ومع نهاية أجلنا في أبو غريب بدأت وجبات المعتقلين بالانتقال إلى سجن بوكا وأصبح كل منا ينتظر ورود رقمه في القوائم التي تتكرر كل شهرين تقريباً وفي الليل ينادى اسمك حيث تتجهز للسفر عند الفجر وفي الوجبة الثانية نودي علي وأبلغني أصدقائي أن تجهز للرحيل.
|