|
أحمد موفق زيدان

صور قليلة تنطبع في أذهان البشر، وصور أقل من القليلة تنطبع في أذهان أهالي البلد الواحد، صور عادة ما تشكل الذاكرة الجمعية للشعوب، بكل تأكيد إحدى هذه الصور التي ستشكل الذاكرة الجمعية للباكستانيين، ولكثير من الشعوب الأخرى الذين شاهدوها تلك الصور التي ظهر فيها إمام المسجد الأحمر مولانا عبد العزيز غازي على التلفزيون الباكستاني وهو يرتدي النقاب والجلباب الذي سعى للهروب فيهما أثناء محاصرته من قبل القوات الباكستانية...
صور مقززة، فإن كان المواطن يخطئ ويغلط بحق دولته، فإن الدولة بمقام الأب الذي يعرف تمام المعرفة أن التشهير بالولد يعني التشهير به نفسه وبالتالي التشهير بالدولة وبسمعتها ومكانتها المحلية والدولية، هل يعرف من اتخذ قرار ظهور عالم دين محترم وسط شريحة باكستانية واسعة بغض النظر عن مواقفه المتشددة وعن ارتدائه النقاب والجلباب، هل يدرك صانع القرار العظيم هذا ما ألحقه من أضرار وأوضار للهوية الباكستانية ...
صور لم تذكر الباكستانيين والكثيرين إلا بصور إهانة الآدمي والبشر في غوانتانامو وأبو غريب وبغرام، فالعقلية واحدة، وكان ما تم عرضه استهدف الخارج وتحديدا في الغرب، أكثر مما استهدف الداخل الذي يدرك كل عاقل أن كل من في الداخل إسلاميين وليبراليين خاسر من جراء هذه الصور، التي تنال من سمعة دولتهم ومكانتها ...
لكن الأعجب أن يجلس إعلامي يحاور مولانا ويرتضي لنفسه إهانته بتلك الطريقة، فقد أبقاه لفترة حسب الشريط الممنتج، ولا ندري كم أبقاه كفترة حقيقية قبل المونتاج واقفا وهو مرتديا البرقع، ثم يبدأ ليقدم مقدمته السمجة، ليدعوه لاحقا إلى رفع النقاب عن وجهه،والمضحك وشر البلية ما يضحك أن مولانا واجه طلب الإعلامي رفع النقاب بابتسامة، وهو يظهر لك مخاطر عدم إدراك هذا النوع من العلماء لخطورة الصورة وتأثيرها، وكأنه يرفعه أمام زوجته أو أولاده حين ارتداه قبل خروجه، ولم يرفعه أمام ربما مئات الملايين من المشاهدين...
الآن إن صح ما يُتردد أن الحكومة طلبت منه ارتداء النقاب والخروج بهذا الشكل لتفاوضه لاحقا، وثمة إشارات عدة على ذلك، أولا قوله للتلفزيون الباكستاني في المقابلة " الآن لا أريد أن أتحدث عن ملابسات اعتقالي "وثانيا اعتقال خالد خواجه رغم أنه لم يكمل أسبوعين عن الإفراج عنه وهو الذي كان وسيطا في هذه الأزمة، فهل لديه ما لا تريد الحكومة الكشف عنه في هذه الظروف الحرجة، وثالثا: تصريحات زوجته لصحيفة باكستانية من داخل المسجد بأنه خرج للتفاوض مع الحكومة"
الحكومة التي كانت قد كسبت كثيرا من التأييد الإعلامي لما يطلق عليه صبرها في معالجة الأزمة خسرت الكثير بإظهارها مولانا عبد العزيز بتلك الطريقة المهينة ودعا إعلاميون باكستانيون على أساس ذلك أن تسمح الحكومة للإعلاميين بمقابلة كل من تصفهم بالإرهابيين داخل سجونها بعد أن سمحت للتلفزيون الباكستاني بمقابلة من تصفه بالإرهابي والمطلوب وهو مولانا عبد العزيز..
مرة أخرى يصر من يدير هذه الأزمة من المسئولين الحكوميين على السماح للمصورين بالتقاط صور للمستسلمين الطلبة وهم عراة النصف العلوي خشية أن يكونوا يتزنرون بأحزمة ناسفة، مشهد لم يذكرني إلا بمستسلمي كنيسة القيامة حين استسلموا لعصابات الجيش الصهيوني،هل هكذا تتعامل دولة مسلمة مع شبابها وأبنائها، بل وتحرص على تصويرهم بهذه الطريقة المهينة، وتواصل هذه الفئة التي تدير الأزمة على تعميق الصورة المقززة لباكستان داخليا وخارجيا حين تحاصر مسجدا ومدرسة، فهل سيكون هذا سابقة لكل من أراد أن يضرب مدرسة ومسجدا بحجة تحصن مسلحين، وبالتالي يتم رفض أي نوع من المفاوضات والوساطات، بل واعتقال الوسيط خالد خواجه بينما كان ينقل الرسائل من المتحصنين في داخل المسجد إلى الحكومة..
نائب إمام المسجد عبد الرشيد غازي الذي يقود من تبقى من المتحصنين داخل المسجد طالب بممر آمن على غرار ما فعلته القيادة الهندية مع متحصني مسجد حضرت بال في كشمير الخاضعة للسيادة الهندية عام 1994، لكن المشرفين على الأزمة رفضوا طلبه ودعوه إلى استسلام غير مشروط...
لم ينس الشعب الباكستاني حتى الآن الصور التلفزيونية التي ظهر فيها العالم النووي الباكستاني وأبو قنبلتها عبد القدير خان وهو يعتذر للشعب الباكستاني عما وصف تجارته بهذه السلاح مع دول أخرى، طبعا للتذكير يُقال والعهد على القائل أن عبد القدير خان في نهاية الاعتذار أمام التلفزيون الباكستاني انفجر باكيا، طبعا التلفزيون حذف هذا المشهد...
لا نعلم مدى تداعيات هذه العملية حاضرا ومستقبلا،كما أننا لا ندري كيف ستنتهي وكيف سيتفاعل معها المتعاطفون مع طلبة المسجد الأحمر في ظل البيانات المهددة بالثأر والانتقام، كما أننا لا ندري كيف ستتضرر المدارس الدينية بشكل عام والموجودة في العاصمة بشكل خاص، كل ما نعلمه أن الشرخ في المجتمع الباكستاني يزداد ،وأزمة الهوية تتعمق والإيغال في السير بالمجهول يزداد ....
|