بقلم : أحمد موفق زيدان
قبل أن نتحدث عن الدور السلبي أو الإيجابي للإعلام في إدارة الحروب والنزعات والخلافات، ينبغي أن نضع القضية في إطارها الأشمل والأكبر، وهي عن أي إعلام نتحدث وأي إعلام نريد، فحين الحديث عن دور الإعلام في تأجيج الحروب والنزاعات، أو خفضها وإطفائها لا بد أن نحدد هوية البلد والمستقبل الذي نريده، وتحرير هذه النقطة سيسهل علينا تحرير نقاط أخرى مهمة ، فالأمر عبارة عن حبات في مسبحة، وحلقة ضمن مسلسل طويل ...
لعل الخطوة الاستباقية والوقائية التي بإمكان الإعلام اتخاذها قبل أن يلجأ الطرفان إلى العنف واستخدام القوة هو عكس وجهتا نظر الفريقين بشكل عادل ومتساو، لا يجد أحد الطرفين في استخدام القوة والعنف طريقا وحلا لمشكلة تغييبه الإعلامي عن الرأي العام ، وهنا سيلعب الإعلام كعادته دور العربة الناقلة للأفكار ولوجهات النظر المتباينة والمختلفة والمتناقضة أحيانا ،بحيث يُسهل على الطرفين فهم بعضهما بعضا، ويسهل عليهما الحوار في جو أقل تشنجا من الجو الذي يمكن أن يلتقوا فيه قبل التمهيد الإعلامي لمعرفة كل طرف خصمه، وبالتالي فهذا يعني أن الإعلام يقوم بدور المفاوض الخفي عبر قنوات خلفية، بحيث يعكس وجهة نظر الطرفين، ويساهم في فهم أفضل لكل طرف ...
بيد أن هذا لا يمنع من الحديث عن دور سلبي وخطير لعبته بعض وسائل الإعلام في الحروب من حيث التحضير لها والاستعداد لها وشحن العزائم وتبرير الهجوم على العدو، حين صورته على أنه الشيطان الرجيم، كما حصل من قبل في نيكاراغوا وليبيا والعراق وأفغانستان، فبعض وسائل الإعلام الأميركية غيرت موقفها بين عشية وضحاها بالرئيس الباكستاني برفيز مشرف من وصفه ديكتاتور انقلب على حكومة منتخبة إلى زعيم معتدل، لوقوفه مع واشنطن في حربها على ما يوصف بالإرهاب ، وصورت هذه الوسائل الإعلامية صدام حسين الشر كله بإبراز خطره المزعوم على العالم، ولبس الصحافيون الكمامات تفاديا لأسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة التي ثبت بطلان وجودها لاحقا، في الوقت الذي أكدت فيه كل الفرق الدولية خلو العراق منها، وما يحصل من عكس وجهة نظر أحادية في الحرب على أفغانستان والعراق وغيرهما يؤكد على الدور السلبي الذي تلعبه وسائل إعلام غربية عدة في تأجيج الحروب والصراعات وليس في خفضها أو حلها..
لكن بالمقابل هناك دور إيجابي للإعلام في خفض ووقف الحروب بإبراز بشاعتها وخطرها على المدنيين وبحجم الدمار الذي تلحقه بالمدنيين، كما حصل من قبل حين مهدت بعض وسائل الإعلام الأميركية الطريق لانسحاب أميركي من فيتنام، وكذلك الدور الذي لعبته هذه الوسائل في وحشية الغزو السوفياتي لأفغانستان وهو ما عجل في انسحاب هذه القوات بالإضافة إلى أسباب رئيسة على رأسها المقاومة التي أبداها الشعب الأفغاني....
وحين برزت قضية المخطوفين والمختطفين في مناطق الحروب لعبت الفضائيات دورا هاما في الكشف عن مصيرهم، والإبلاغ عن مطالبهم، وتحديد الجهة الخاطفة لتسهل عملية التفاوض والتبادل، وإلا فإن الطرفين المتحاربين في حالة تشنج، خصوصا الطرف المتضرر من عملية الخطف، إذ لا يود أن تصل رسائل الخاطفين إلى شعبه تفاديا للحرج أمام شعبه، ولذا فقد لعبت الفضائيات دورا إنسانيا في إرغام الطرف المتضرر على التفاوض والتنازل ، كما فرضت الفضائيات على الخاطف أن يعامل ضحيته بما يجب ، حتى لا يُنقل ذلك للمشاهد وتتضرر سمعته أمام الرأي العام الذي هو محل رغبة الجميع في كسبه ، لكن هنا ينبغي التذكير بأن على الوسيلة الإعلامية توخي الحذر في توصيف حالة الخطف، كون أي خطأ في ذلك قد يودي بحياة المختطف ..
حين الحديث عن النزاعات الدولية، لا بد من التطرق إلى النزاعات الداخلية ودور وسائل الإعلام في الأمر، فالأجنبية منها لا تركز كثير على الأمر لاستغراقه في المحلية وافتقاره إلى البعد الدولي، وبالتالي يقع الأمر تحت رحمة ووطأة الإعلام المحلي الذي لديه حسابات كثيرة في أمر البث على رأسها خشيته من إغضاب طرف على حساب آخر، وخوفه من أن يبطش الأمني والسياسي بالإعلامي، فتؤثر الوسائل الإعلامية المحلية الاستجابة للضغوط عن مواصلة البحث خشية الإغلاق والتعرض للمساءلة ووقف بثها أو وقف عملها...
تناول كوارث الحروب والنزاعات في وسائل الإعلام مهم فلا بد من التطرق إلى دور الإعلام في الكوارث الطبيعية، وهنا يبرز السؤال المطروح دائما لماذا لا يولي الإعلام اهتماما لائقا بهؤلاء الضحايا فحين قتل مائة وأربعين ألف بنغالي بسبب القحط لم يهتم بهم أحد ولو أن خمسة منهم قتلوا بسبب حادث مسلح لنالوا تغطية إعلامية أكبر من موت هذا العدد، وهنا نستذكر مجاعة النيجر، وغيرها من المجاعات والقضايا الانسانية، التي قد لا تريد القوى الكبرى التعريف بها، حتى لا تفُضح عالميا وأمام شعبها،في اهتمامها بالقبض على مطلوب وتجييش كل الإمكانيات للقبض عليه، وتجاهل موت مئات الآلاف من البشر، وبالتالي هذا ما حصل لكثير من الكوارث التي يتم التعمية عليها ..
لكن في ظل هذا كله يظل البحث عن الحقيقة والمعلومة، والغوص فيما تحت السطح للتعرف عما يعتمل في أحشاء المجتمع لمعالجة الوضع قبل استفحاله هو الدور الأساسي الذي يتحلى به الإعلامي والوسيلة الإعلامية الجادة، لا أن يكتفي بظاهر الحياة وأحداثها ....
|