شبّه إيهود باراك الإسرائيليين، أثناء انتفاضة الأقصى، كأصحاب قصر يعيشون في غابة. يبدو التشبيه دقيقا مع ما فيه من عنصرية فجة. فمنذ قيام دولة الاحتلال يعامل أصحاب القصر الفلسطنيين معاملة حيوانات الغابة. منهم من يستأنس ويسمح له بدخول حديقة القصر ومنهم من يظل فريسة الصيد والمطاردة أو حبيس الأقفاص.
هل يمكن أن نتخيل كيف يعيش الإنسان في غزة؟ ليست كما يقال أكبر كثافة سكانية في العالم، إنها أكبر معتقل في تاريخ البشرية. إننا أمام جريمة حرب يوميا. بعد أوسلو تخلت دولة الاحتلال عن مسؤوليتها القانونية تجاه من احتلتهم، وغدت متطلباتهم المعيشية من مسؤوليتهم، فهم يدبرون شؤونهم الصحية والتعليمية، والمضحك أنهم مسؤولون عن السياسة الخارجية والأمن والدفاع، وهي من مظاهر البشر أصحاب الدول.
قبل انتفاضة الأقصى وقبل أن "تخرّب" حماس عملية التسوية كانت غزة والضفة غابة مُسيّجة(الغابة في الضفة أحسن حالا بسبب سعتها). هل كان يملك زعيم القطيع الفلسطيني لنفسه حق عبور الأرض والأجواء دون إذن أصحاب القصر؟ الاحتلال ظل يسيطر على كل شيء الأرض والماء والأجواء والكهرباء، وصدّق الأوسلويون أن عندهم أمنا رئاسيا ووقائيا ومخابرات عامة وأخرى عسكرية وما إلى ذلك من أسماء مملكة في غير موضعها. كل الأمن هو لحماية أصحاب القصر لا حماية "حيوانات الغابة".
تدار الغابة في غزة اليوم بطريقة مختلفة عن غابة الضفة. وهو ما لا يغير جوهريا شيئا على الأرض. عندما يسمح أصحاب القصر لأبناء الغابة باستخدام جزء من أموال ضرائبهم فهذا لا يرفعهم إلى مستوى دولة مثل جزر القمر تنفق فيها الدولة ما تجمعه من ضرائب. وكرم أصحاب القصر في النهاية لا يقيم حياة كريمة لأبناء غابة الضفة.
يكتشف الفلسطينيون في كل تفصيل يوم من أيامهم البائسة صدق مقولة باراك، وهم بين حلين اما أن يكونوا مستأنسين كما زعماء قطيع الضفة أو طرائد مثل زعماء قطيع غزة. أما أصحاب القصر فهم في كل يوم يكتشفون أن ثرواتهم في ازدياد. ولا ينغص عليهم عيشهم سوى الجيرة النكدة.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون عبقريا حتى يخرج بنظرية باراك، يحتاج العرب لشجاعة عدوهم حتى يقولوا الحقيقة. في هذا الصيف سيمضي كثير من العرب شعوبا وقادة(ومنهم فلسطينيون) إجازات ممتعة في قصور وغابات جميلة، في وقت لن يجد أبناء الغابات الفلسطينية في غزة والضفة والبارد والبداوي وعين الحلوة أبسط مقومات الحياة اليومية التي تنالها حيوانات الغابة.
ثمة أمر غريب استوقفني ولم أجد إجابة له. كنت أتوقع أن تغلق حماس دور السينما في غزة حتى يقال ان إمارة الظلام تكرر ما فعلته طالبان. يبدو أنه لا توجد دور سينما أصلا، أو أنها واصلت عروضها في أثناء الاشتباكات ولا تزال بعد بسط سلطان حماس. لا أدري. ربما يجيب على سؤال كهذا توني بلير المبعوث رحمة للمنطقة. كما بعث في المنطقة من مبعوث! سيستقبله عباس هاشا باشا في مقاطعة رام الله العتيدة سيمعن في المصافحة والتقاط الصور إغاظة لهنية الذي لا يأتيه المبعوثون(حتى الوفد الأمني المصري غادر غزة!).
سيطلب عباس ما طلبه عرفات من أول يوم دخل فيه المقاطعة، وسيعلن أنه لا حوار مع حماس(ستكرر هذه الجملة على لسان أبو ردينة وعمرو ودحلان والمشهرواي آلاف المرات في الشهور المقبلة) سيكون بلير مندفعا هذه المرة أكثر مما كان ايام رئاسته للوزراء، وسيجد وقتا طويلا للاجتماع ليس فقط بالمسؤولين وإنما بالمجتمع المدني الفلسطيني أيضا، وسيصدِّق الفلسطينيون وعوده التي عجز عن تحقيقها يوم كان رئيسا للوزراء.
بعد مغادرة بلير سيغلق السياج ويكتشف عباس أنه وحماس يعيشون في الغابة نفسها، لكنه يمني النفس بزيارة أخرى لمبعوث آخر أو السماح له مجددا بلقاء صاحب القصر!
أخيرا أقول أن العملية السلمية الحالية تأسست على مبدأ "الارض مقابل السلام" و ما يفعله عباس حاليا يشكل خرقا حتى لهذا المفهوم : فهو يمنح اسرائيل سلاما و طمأنينة في حين لم تنسحب هي من أي أرض.