|
حسين دلي ـ الجزيرة توك ـ خاص

وجوه لأول مرة أراها كانت تحدق بي وانا مستلقٍ على سريري الذي نقلت عليه جواً من الفلوجة إلى أبوغريب وعلى الفور أدخلت إلى ما يعرف بصالة العمليات التي كانت لا تتجاوز حاوية حديدية حولت إلى صالة للعمليات وهناك لا أذكر إلا مترجماً يبدو انه عراقي (للأسف) مع الأطباء الأميركان يخبرني بأنهم سيجرون لي عملية جراحية عاجلة نظراً للنزيف الكبير من دمي ثم وضعوا كمامة التخدير على أنفي فما أحسست إلا وأنا على سرير آخر في ردهة الجرحى - حامداً الله وشاكراً له - وهناك وجدت عشرين مصاباً على أسرّة متقابلة يفصلها متران وأنواع من الإصابات ما بين كسور وحروق وبتر للأعضاء من مناطق متفرقة من بلادي الجريحة المثخنة بطعنات الأغراب عنه ..
ما بين أمريكي ومتأمرك ، وآلمني في اللحظات الأولى التي صحوت فيها رؤية الحاج فياض وهو في الستين من عمره تبين لي فيما بعد أنه أصيب بمداهمة للقوات الأمريكية لمنزل مجاور لمنزله في عامرية الفلوجة وقد أصيب في جنبه بإصابة بالغة لا يستطيع النوم معها إلا على الجنب الثاني ربما طيلة عمره ،ومحمد وهو في السابعة عشر من عمره وغذاؤه عن طريق الأنابيب بسبب إصابته ببطنه ومهدي الذي بترت ساقه اليمنى بسبب ما قالوا إنه تمزق للساق لا يصلح معها إلا البتر لكن اغرب ما رأيته وألقى الشكوك حول أُولئك الأطباء الأميركان ما رواه لي الأخ علي من مدينة الحرية شمال بغداد الذي قال إنه أصيب ببطنه لكنه فوجيء بأن أحس بتعب شديدذات مرة استوجبت نقله للفحوص مرة ثانية ليخبره الطبيب أنه بكلية واحدة أي أن الأطباء سرقوا منه إحدى كليتيه أثناء إجراء العملية له وأركان مصاب بصدره ويتنفس بالكاد وحكيم هشم كتفه - بطلقة الدمدم المعروفة بالتهشيم والتفجر عند اصطدامها بالأجسام الصلبة – فهو مثبت بالبلاتين وآخر.....وآخر... والقائمة تطول.

أما أنا فوجدت ضمادة كبيرة على الجرح من الخلف و جرح بعشرة تقطيبات معدنية من الأمام بارتفاع شبر عن موطن خروج الطلقة من أسفل البطن إلى منتصفها مع مغذٍ متدلٍ من عمودٍ يجاور سريري لعدم قدرتي على الأكل وأحسست بألم متقطع من جرحي الأسفل مع حكة بالجلد من أماكن التقطيبات ،وصف لا تستطيع الإحساس مثل صاحبه .
كان من المعتاد أن يباشر الأطباء الّذين يجرون العمليات الجراحية أن يمروا بمرضاهم ضمن الجولة الصباحية وما أن وصلني الطبيب حتى عاجلني بابتسامة سائلاً وباللهجة العراقية (شلونك)
فأجبته الحمد لله وبدأ المترجم يشرح لي كلامه موضحاً أن الطلقة اخترقت عدداً من الأمعاء مسبباً قطعها فاستوجب قطع 40 سنتمتراً من جهتي البطن ثم ربطها وما كان لي إلا الإشارة بالتفهم كالذي لا حول له ولا قوة وبدأت مسيرة جديدة في حياتي ألفيتها غربة مريرة لولا وجود العراقيين الجرحى حولك، وهكذا يأتي المضمدون بين الحين والآخر إما ليبدلوا ضمادك أو ليحقنوك بدواء جديد وحسب الجدول وكنت أتلفت في نفس الأحيان تلك لعلي أجد من أهل مدينتي من أسأله عنها فحالها المزري يؤرقني وصور أخي وعمي وجيراني و أهل الفلوجة لا تفارقني
وكان الكثير من الجرحى يبادلونني التساؤل فمنهم من سمع عن الحملة على الفلوجة ومنهم من لم يعرف بما حصل لأنه دخل المستشفى قبل أوان المعركة وكنا نستغل خلو الردهة من المضمدين لنتكلم عن حالنا خاصة في الليل.

لبثت في المستشفى عشرة إيام لأنهم لا يسمحون بأكثر منها للعدد الكبير الذي كان يأتي من الجرحى متخطياً الألف جريح، سبعة منها اعتماداً على المغذي مع بعض التقيؤ إلى أن بدأت بالأكل وفي آخر يومين بدأ أحدالممرضين بمساعدتي على المشي بعلاج طبيعي نظراً لتقلص عضلات البطن من جراء العملية الجراحية وذات مرة وهذه من النكت أخرجني ممرض آخر كنت أُكن له كرهاً مع أحد الجنود الذي يراقبني خشية أن أهرب – مع ما يرى من وضعيتي الصعبة- وهذا ينبع من تخوفهم من كل عراقي فأخرجوني لرؤية الشمس وكانت هذه المرة الثانية لي منذ إجراء العملية فوافقت أن سقطت عدة قذائف هاون على المعسكر مما أفزع الجنود ومن ضمنهم مرافقي اثنيهما وعلى وجه السرعة فروا بصحبتي مفزوعين حتى إنهم ركضوا وهم يجروني معهم بسرعة الرجل السليم.
ما أن أمضيت يومين بدون تقيؤ حتى أبلغوني بموعد الرحيل وكنت اظن أنهم سيخرجونني من أبوغريب إلى المناطق التي خرج إليها أهل الفلوجة نزوحاً ولذا بدأكثير من الجرحى يعطونني أسماءعوائلهم لأبلغهم بحال أبنائهم بعد أن تقطعت بهم السبل ولم أعرف أن الأمر سيبلغ بي كل الذي بلغ ثم أعطونا ملابس جديدة ليخرجوني من المستشفى وعندما أخذوني للفحص خارج الردهات توافق أن أرى معتقلين جلبوا للفحص من المخيمات ولما عرفوا أني من الفلوجة بادروا فأمطروني بالأسئلة على وجه السرعة ماهي أخبار الفلوجة وماهو حال أهلها وهل دخلت القوات الأمريكية المدينة وأين وصلت وماهوحجم المقاومة وغيرها .........كثير وما كان جوابي إلا بهتة عن الإجابة كوني مصاباً من الأسبوع الأول للأحداث غير أنني رثيت لهم مدينة المقاومة وحاضرة غرب العراق وفهموا ببضع عبارات ما تعجزعنه الكثير منها ثم انفصلنا لينقلونني على ظهر ناقلة جنود تضم أكثر من عشرة من الجرحى فتوزعنا على المخيمات وكان المخيم الثالث من نصيبي وبدأت عندها حياة السجون
|